تزامن تناول وسائل إعلام مصرية للجدل الدائر حول فيلم «برشامة» مع إعادة استحضار قائمة من الأفلام الروائية الطويلة التي ارتبط اسمها، خلال العقدين الماضيين، باتهامات قانونية وإعلامية بازدراء الأديان أو الإساءة للمقدسات، سواء عبر بلاغات للنائب العام أو أسئلة تحت قبة البرلمان أو حملات منظمة على المنصات الاجتماعية. هذا المسار المتكرر جعل من العلاقة بين السينما والمرجعية الدينية ملفا دوريا في النقاش الثقافي المصري، يعاد تنشيطه مع كل عمل فني يتقاطع مع مسائل العقيدة أو الممارسات التعبدية أو صورة المتدين في المجال العام.
من بين العناوين الأحدث التي جرى استدعاؤها فيلم «الملحد»، الذي عُرض سنة 2025 ودار في إطار درامي حول التحولات الإيمانية لبعض الشباب، وموضوع التطرف الديني، والسجالات المرتبطة بانتشار الإلحاد داخل شريحة عمرية بعينها، وتأثير ذلك في العائلة والبناء الاجتماعي. تسببت المعالجة في تقديم بلاغات متعددة للنيابة قبل العرض وبعده، مع اتهامات لصناع العمل بتجاوز «ثوابت» دينية، بينما دافع آخرون عن الفيلم بوصفه معالجة درامية لأسئلة موجودة فعليا في الواقع الاجتماعي وليست دعوة تبشيرية لأي موقف عقدي محدد.
ويحضر كذلك فيلم «بحب السِّينما» (2004)، الذي تناول أسرة قبطية مصرية محافظة، من خلال شخصية أب متشدد في ممارساته الطقسية ونظرته للحياة، في مقابل شغف الابن الصغير بالسينما والفنون. تركز الجدل حينها على حوارات تتعلق بطبيعة علاقة الفرد بالله، وعلى بعض المشاهد داخل الكنيسة، ما أفضى إلى دعاوى قضائية طالبت بوقف العرض بدعوى الإساءة إلى العقيدة المسيحية والرموز الكنسية، قبل أن يُستكمل مسار الفيلم في فضاء التلقي النقدي والجماهيري العادي.
كما أعيد التذكير بفيلم «شيخ جاكسون» (2017)، الذي تابع الأزمة الروحية لإمام شاب تتقاطع ذاكرته مع صورة المغني الأمريكي الراحل مايكل جاكسون، عبر استعادة مكثفة لفترة المراهقة وعلاقتها بصورة الجسد والالتزام الديني والشهرة. أحد أكثر المشاهد تداولا آنذاك كان ظهور شخصية جاكسون داخل مسجد أثناء صلاة، ما أدى إلى بلاغات ضد بطل العمل ومخرجه بدعوى ازدراء الأديان، قبل أن ينقل جزء من النقاش إلى تخوم أسئلة تمثيل المقدس في السينما وحدود التخييل في التعامل مع الفضاءات التعبدية.
في سياق مختلف زمنيا وقريبا من راهن الجدل، برز أيضا فيلم «الست» (2025)، المقتبس من رواية لأحمد مراد، والذي أثار انتقادات حادة خلال عروضه التجارية بسبب تصريحات منسوبة لمؤلفه وُصفت بأنها مسيئة للرسول ولعدد من الرموز الدينية. تركزت الشكاوى القانونية ضد العمل على الربط بين بعض الحوارات داخل الفيلم ومضامين هذه التصريحات الإعلامية، بما أعطى للملف بعدا يتجاوز التقييم الفني إلى مساءلة تصور العمل للدين ودور المؤسسة الدينية في المجتمع.
الجدل الأوسع في الذاكرة القريبة ارتبط هذه الأسابيع بفيلم «برشامة»، وهو عمل كوميدي عُرض خلال موسم عيد الأضحى 2026، وتدور فكرته حول مجموعة من الطلاب الجامعيين ووسائلهم غير التقليدية للاستعداد للامتحانات، بمزيج من الخيال والعنصر الفانتازي. بعد أيام من خروجه إلى الصالات، خضع الفيلم لموجة انتقادات حادة على شبكات التواصل، مع اتهامات بـ«السخرية من الدين» و«التجرؤ على المقدسات»، خاصة بسبب مشاهد يُفهم منها التعامل الهزلي مع بعض المظاهر والشعارات الدينية المتداولة شعبيا.
تحول النقاش سريعا إلى ملف سياسي برلماني، بعدما قدم نواب، من بينهم أعضاء في حزب النور، طلبات إحاطة وأسئلة رسمية تحدثت عن «اعتداء على العقيدة والشرع الإسلامي» و«تسفيه الشريعة» داخل العمل، مع المطالبة باتخاذ إجراءات تشريعية وتنظيمية أكثر صرامة تجاه المحتوى السينمائي الذي يتناول الدين. ردود الفعل المقابلة، من نقاد ومشتغلين في الصناعة، ركزت على فكرة ضرورة قراءة الفيلم في سياقه الكوميدي، والتمييز بين النقد الاجتماعي لبعض أنماط التدين الشعبي وبين الاستهزاء بالمقدسات، وعلى الإشارة إلى وجود آليات قائمة للرقابة المسبقة من جانب الأجهزة المختصة.
اللافت أن «برشامة» خرج من القاعات المغربية بهدوء، من دون أن يثير نقاشا واسعا في الفضاء العمومي المحلي، رغم عرضه التجاري في عدد من المدن، قبل أن يتصدر عناوين الأخبار في مصر بعد ذلك، ما يعكس اختلافا في درجة تسييس موضوع تمثيل الدين في الأعمال الكوميدية بين فضاءين ثقافيين متقاربين جغرافيا. هذا التباين يفتح بدوره أسئلة مهنية أمام الصحافة الثقافية حول كيفية متابعة تلقي الأفلام العابرة للحدود العربية، ورصد الفارق بين النقاشات المرتبطة بالسياسات الثقافية الرسمية وبين النقاشات الاجتماعية غير المؤطرة حزبيا.
في خلفية هذه القضايا، يتكرر حضور أدوات قانونية مثل تهمة «ازدراء الأديان» أو «الإساءة للثوابت»، التي استُخدمت في حالات متعددة ضد أعمال سينمائية ودرامية، في وقت يتواصل النقاش الحقوقي حول تعريف هذه التهم وحدودها وتأثيرها في حرية التعبير الفني. كما تتقاطع هذه التوترات مع أسئلة تخص موقع المؤسسات الدينية، والأحزاب ذات المرجعية الدينية، والهيئات الرقابية الرسمية، في رسم حدود ما يعتبر مقبولا أو مرفوضا في تمثيل المعتقدات والطقوس داخل الخيال السينمائي، وهو ملف مرشح للاستمرار مع كل موسم إنتاجي جديد.