يقدّم «نَفَس» للفنانة الفلسطينية سلوى جرادات تجربة إنشاد صوفي بصوت معاصر، تستعيد فيها نصوصا لشاعرات متصوّفات من عصور متباعدة عبر مقاربة تأليف وتسجيل حديثة. يعتمد المشروع على بحث موسيقي موسّع في تقاليد المقامات وأساليب الأداء الشرقي، مع إعادة صياغة هذه المراجع ضمن لغة تلحينية وهارمونية تنتمي إلى الموسيقى العربية المعاصرة. تأتي هذه الخطوة امتدادا لاهتمام سابق لجرادات بالأثر الروحاني النسائي في التراث العربي، وهو اهتمام ظهر في عروض حيّة ومشاريع مثل «تجاور صوفي»، قبل أن يتبلور هنا في ألبوم محكم التنظيم يوازن بين استقلال كل قطعة وترابطها داخل السرد الصوتي العام.
يتألف الألبوم من سبع مقطوعات، تتعامل كل واحدة مع نص لشاعرة متصوّفة بوصفه مادة صوتية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها دون الإخلال بوزن اللغة وإيقاعها الداخلي. تختار جرادات النصوص بعد قراءة نقدية لتراث الشعر الصوفي المكتوب بأقلام نسائية، ثم تبني فوقها جُمَلا لحنية تتسع لانتقالات مقامية محسوبة وتلوينات صوتية دقيقة، مع حضور إيقاعات مدروسة تمنح الأداء صحبة معاصرة لا تلغي جذره التراثي. يواكب ذلك أداء صوتي قائم على تدريب عميق في الغناء الشرقي، يستثمر فسحة الارتجال ضمن حدود تضبط تدفق القطعة وتحافظ على تركيز السماع في سياق روحي لا يحتاج إلى مؤثرات زائدة.
يشارك جرادات في «نَفَس» عازفون مختصون في الآلات الشرقية مثل العود والقانون، إلى جانب طبقات صوتية إضافية تصنع خلفية حبلى بالتفاصيل دون ازدحام. يسجّل الألبوم لدى Thawra Records ويصدر بصيغ رقمية ومادية، في مسار إنتاج مستقل يمنح العمل مساحة لتفضيل البناء الكلّي على منطق الأغنية المنفردة السريعة التداول. يتيح هذا الإطار التقني تقديم الإنشاد الصوفي ضمن معايير سمع حديثة، سواء عبر منصات البث مثل Spotify أو عبر إصدار فينيل موجه لمستمعين يفضّلون تجربة إصغاء طويلة.
يُبقي الألبوم النص العربي الفصيح في مركز المشهد، مع عناية بمخارج الحروف وتقطيع العبارات بما يمنح القصائد حضورا شبه سردي تتقدّم معه الحكاية الروحية من مقطع إلى آخر. وفي مواضع محددة يتسع الحقل الصوتي لكورال أو تعدد أصوات يعيد الإحساس بالمشاركة الجماعية التي يعرفها التقليد الصوفي، من غير أن يفقد العمل تماسكه البنائي. هنا تشتغل جرادات على الحافة بين الارتجال الجماعي والبنية المسبقة، وهي خبرة راكمتها في أعمالها السابقة ونقلتها إلى بيئة الاستوديو بضبط زمني واضح.
أهمية «نَفَس» تتجاوز إنجازا جماليا إلى إعادة طرح كتابات الصوفيات العربيات في فضاء السماع اليومي، ونقلها من رفوف البحث المتخصص إلى تداول أوسع يمنح هذه النصوص حياةً أدائية. بهذا المعنى يوسّع العمل خرائط تلقّي الصوت النسائي في الموسيقى الروحانية العربية، ويصاحب موجة مشاريع تعيد صياغة التراث الصوفي داخل قوالب صوتية معاصرة موجهة لجمهور عالمي عبر منصات البث. كما أن التغطيات الثقافية والحوارات التلفزيونية، ومنها ما قُدّم عبر قناة دولية ناطقة بالعربية، توفر مادة مرجعية للباحثين والمهتمين بمتابعة تحولات هذا الحقل، وتثبت مصادر العمل الرسمية عبر صفحة Thawra Records بوصفها مرجعا رئيسيا لمعلومات الإصدار.