‎التطرفات الدينية: تهديد عالمي متصاعد؟

أضيف بتاريخ 12/08/2025
دار سُبْحة

يتناول هذا المقال، استناداً إلى حلقة برنامج «ديانات العالم» على إذاعة RFI – Religions du monde المخصّصة لسؤال «التطرفات الدينية، هل هي تهديد عالمي؟»، وإلى كتاب «الراديكاليات الدينية في قلب تحوّل عالمي» بإشراف آلان ديكوف، وملف «جيوسياسة الأديان» لمجلة «لو بوان» بإدارة جيروم كورديلييه، التحوّل العميق الذي يشهده العالم مع عودة الدين إلى مركز اللعبة السياسية والجيوسياسية. يظهر من مجمل هذه الأعمال أن الدين لم يختفِ يوماً من التاريخ، لكنه يعود اليوم بصيغ أشدّ حضوراً وتأثيراً في القرار السياسي والخطاب العام، من الولايات المتحدة إلى روسيا، ومن الهند إلى الشرق الأوسط، ومن أوروبا إلى إفريقيا.  



يشير الباحثون إلى أنّ ما يسمى اليوم بـ«الراديكالية الدينية» لا يعني بالضرورة العنف، بل يعود في الأصل إلى فكرة «العودة إلى الجذور» والنصوص المؤسسة والهوية الأولى للجماعة المؤمنة. غير أنّ هذه العودة يمكن أن تتخذ مسارين مختلفين: أحدهما «نشِط» أو «حركي» يسعى إلى تغيير المجتمع والمؤسسات السياسية باسم الدين، والآخر «ورِع» أو «تعبدي» يركز على التشدد في الممارسة الدينية الشخصية والجماعية من دون مشروع مباشر للاستيلاء على الحكم. في المسار الأول، يصبح الدين برنامجاً سياسياً، بينما يبقى في المسار الثاني إطاراً للحياة الروحية والأخلاقية أكثر مما هو أداة لصراع السلطة.  



على المستوى العالمي، تتقاطع أمثلة عديدة على استخدام الدين في إعادة تشكيل السلطة والشرعية. في الولايات المتحدة، استُخدم خطاب «الحرية الدينية» لتعبئة قطاعات واسعة من الناخبين المحافظين وربط قضايا اجتماعية وأخلاقية حساسة بالاختيار السياسي. في إسرائيل، يوظَّف الخطاب التوراتي من قبل تيارات صهيونية دينية لتبرير استمرار الاستيطان ورفض أي حلّ يقوم على تقسيم الأرض، فيما تعتمد حركات إسلامية مثل حماس على لغة دينية موازية لتبرير المقاومة المسلحة. في الهند، ترتسم ملامح مشروع قومي يقوم على ترسيخ الهوية الهندوسية للدولة، بما ينعكس مباشرةً على موقع الأقليات المسلمة والمسيحية. وفي ميانمار وسريلانكا، تُستخدم البوذية كمرجعية قومية لإقصاء الأقليات المسلمة تحت شعار حماية الأمة والدين.  


في الفضاء الروسي والأوروبي، تتخذ العلاقة بين الدين والسياسة أبعاداً أخرى. في موسكو، يظهر تقاطع كثيف بين الكنيسة الأرثوذكسية والكرملين، حيث تُصاغ الحرب في أوكرانيا ضمن سردية دفاع روحي عن «العالم الروسي» وقيمه في مواجهة نموذج غربي يُقدَّم بوصفه مهدِّداً للهوية والإيمان. وفي أوروبا الغربية، تتصاعد ظاهرة «المسيحية الهوياتية»، حيث تستدعي أحزاب قومية وشعبوية الجذور المسيحية للقارة ليس بدافع إحياء الإيمان، بل لتبرير مواقف متشددة تجاه الهجرة وإعادة تعريف «من ينتمي» إلى الأمة. هكذا ينتقل الدين من حقل الإيمان إلى حقل الهوية السياسية، ويصبح علامة حدودية أكثر من كونه تجربة روحية شخصية.  



في القارة الإفريقية، وخصوصاً في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، يلفت الباحث إبراهيم أفريت الانتباه إلى أن هذه المنطقة تحولت إلى مختبر للتديّن المتنافس والمتداخل. تتقاطع فيها شبكات إنجيلية قادمة من الولايات المتحدة مع حركات سلفية مرتبطة تاريخياً بمراكز دينية في الخليج، إلى جانب الكنائس التقليدية والتصوف الإسلامي والديانات المحلية. يرى أفريت أن الإقبال على هذه الحركات الراديكالية يُقرأ كنوع من الردّ على فشل الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وتفاقم الفقر واللامساواة، والفساد المستشري في أوساط النخب المدنية والعسكرية، فضلاً عن آثار العولمة التي همّشت شرائح واسعة من السكان. كثير من المنضمّين إلى هذه التيارات يأتون بدافع ديني خالص، لكن ثمة من يلتف حولها أيضاً كقوة احتجاج اجتماعي أو كبديل تنظيمي عن دولة عاجزة أو غائبة.  



المثير في المقارنة بين الإنجيلية المتشددة والسلفية أنّ العداء اللاهوتي الحادّ بين الطرفين لا يلغي تقاطعهما في المنطق والبنية. كلاهما يقدم خطاباً شمولياً يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية ويريد إعادة تشكيل المجتمع وفق معايير إيمانية صارمة، وكلاهما ينتقد بشدة الممارسات الدينية التقليدية، سواء كانت مسيحية كاثوليكية أو بروتستانتية معتدلة، أو إسلاماً صوفياً محلياً متسامحاً. في بعض السياقات، مثل نيجيريا، قد يلتقي الطرفان ظرفياً في مهاجمة الإرث الاستعماري أو التعبيرات الدينية المحلية التي يعتبرانها «وثنية» أو «منحرفة». من هنا، تبدو الراديكالية نمطاً في التفكير والعمل أكثر مما هي خاصية لدين محدّد.  



يعود كتاب «الراديكاليات الدينية في قلب تحوّل عالمي» إلى لحظة السبعينيات والثمانينيات بوصفها نقطة انعطاف كبرى في علاقة الدين بالسياسة. في إيران، أظهرت الثورة الإسلامية أنّ بإمكان حركة دينية شيعية أن تقيم نموذج حكم يضع القيادة الدينية في قلب بنية الدولة. في الولايات المتحدة، برزت شبكات بروتستانتية محافظة تحت شعار «الأغلبية الأخلاقية»، فدفعت باتجاه أجندة اجتماعية محافظة لعبت دوراً مهماً في دعم مرشحين رئاسيين تركوا بصمات عميقة على توازنات المحكمة العليا والخيارات التشريعية. وفي إسرائيل، قرأ جزء من المتدينين اليهود نتائج حرب 1967 كعلامة تأييد إلهي، فاشتدّ نفوذ تيار يرى أن التوسع في الأرض جزء من مسار خلاص ديني، ما سهّل تحالفه مع قوى قومية يمينية علمانية تبحث عن قاعدة عقائدية متماسكة لمشروعها السياسي.  

 


ومع أنّ الصورة يغلب عليها مشهد التوتر والتصعيد، يذكّر الصحفيون والباحثون الذين اشتغلوا على ملف «جيوسياسة الأديان» بأن الدين لا يقتصر على الوجه العنيف أو الإقصائي. في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، توجد مجموعات من حاخامات وأئمة وقساوسة يعملون في مبادرات حوار ومصالحة، رغم أن أصواتهم تبقى أقل حضوراً في الفضاء الإعلامي والسياسي. في بلدان عربية متأثرة بالحروب والنزاعات، تحاول بعض الجماعات المسيحية والإسلامية الحفاظ على نسيج العيش المشترك وإعادة إعمار ما يمكن من الروابط الاجتماعية المدمَّرة. وفي إفريقيا، لا تزال شبكات دينية كثيرة، مسيحية وإسلامية، تنخرط في مجالات التعليم والصحة والعمل الخيري بعيداً عن الاستقطابات السياسية الحادة.  



تكشف هذه المقاربات أن الراديكاليات الدينية هي عرض لأزمة أعمق تطال الثقة في الدولة والمؤسسات، وتكشف عن هشاشة النماذج الاقتصادية السائدة، وتُظهر حدود الوعود التي رفعتها الحداثة العلمانية من دون أن تفِ بها لجميع الفئات. لذلك لا يكفي الاكتفاء بشعار «محاربة التطرف الديني»، بل تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في موقع الدين داخل الفضاء العام بما يسمح بحرية المعتقد والتعبير، من دون تحويل المقدّس إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء. بين يدّ من يوظفه لتبرير العنف، وبين يدّ من يحاول جعله قوة أخلاقية للعدالة والكرامة والسلام، يبقى الدين أحد المفاتيح الأساسية لفهم العالم المعاصر، وأحد الرهانات الكبرى في رسم ملامح المستقبل.