بعد ستة عقود على صدور الإعلان المجمعي في عصرنا (Nostra Aetate)، يعود النقاش حول مستقبل الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية والجماعات اليهودية إلى الواجهة. في مقابلة حديثة، شدّد حاخام روما الأكبر ريكاردو دي سيني على أن استدامة هذا الحوار تتطلب أفعالاً ملموسة تبني الثقة والمودة، بعيداً عن التسييس وسوء الفهم الذي يعكّر المشهد العام.
يرى دي سيني أن |وثيقة في عصرنا شكّلت نقطة تحوّل عندما أدانت معاداة السامية وفتحت باب التعاون الروحي والعملي، ما عزّز الاحترام المتبادل ورسّخ أسس الحوار بين الأديان. ومع تغيّر العالم خلال ستين عاماً وصدور وثائق داعمة لاحقة، تبقى الحاجة قائمة لتطوير أدوات جديدة تواكب التحديات الراهنة وتُبقي قنوات التواصل حيّة وفاعلة.
ويُفرّق حاخام روما بين معاداة السامية كظاهرة ذات بُعد عِرقي، ومعاداة اليهودية بوصفها عدائية تجاه العقيدة وتعاليمها وقيمها. هذا التمييز ضروري لتحديد الاستجابات المناسبة وتوجيه الجهود التربوية والإعلامية والسياسية، خصوصاً في سياقات مشحونة مثل ما أعقب حرب غزة، حيث تؤجّج بعض الخطابات التوتّر وتلوّث المجال العام.
على المستوى العملي، يدعو دي سيني إلى تحديد مشترك لأهداف الحوار: فالكنيسة تميل إلى البُعد اللاهوتي، بينما يركّز الجانب اليهودي على الأثر الاجتماعي والعمل المشترك والشهادة العامة. ويؤكّد أن الجمهور يحتاج إلى رؤية مبادرات ملموسة أكثر من الاطلاع على وثائق لاهوتية معقّدة، مستشهداً بمبادرات بابوية مثل زيارات الكُنُس التي ساهمت في ترسيخ رسائل القرب والتعاون.
وبينما يشدّد على أن كل دين يحافظ على معتقداته دون حاجة إلى حوار عقائدي مُلزِم، يرى دي سيني أن الحوار الأخلاقي والإنساني حول الكرامة والعدالة ومقاومة الكراهية يمكن أن يراكم الثقة ويؤسّس لشراكات مجتمعية واسعة. هكذا يصبح الحوار الكاثوليكي اليهودي عملاً يومياً: إجراءات صغيرة تستعيد الثقة، ورسائل واضحة تُقاوم التسميم السياسي، ومشاريع مشتركة تُظهر أن الاحترام المتبادل خيار قابل للتحقق.