أضفى بنيامين نتنياهو وحلفاؤه من التيار الديني‑القومي على الحرب ضد غزة بعد 7 أكتوبر 2023 بعدًا لاهوتيًا صريحًا، عبر استدعاء متكرر للنصوص التوراتية لتبرير العمليات العسكرية وتوسيع السيطرة على الأرض بوصفها تنفيذًا متأخرًا لوعد إلهي قديم لشعب إسرائيل. فقد أعلن رئيس الوزراء أن «الكتاب المقدس يقول إن لكل شيء وقتًا… والآن هو وقت الحرب»، مقدمًا القتال ليس كخيار سياسي قابل للنقاش بل كاستجابة قدرية لنص ديني يُفهم حرفيًا.
في هذه الرؤية، تُقرأ أسفار مثل «القضاة» و«التكوين» و«إشعيا» قراءة إثنية‑حصرية، حيث تتحول حكاية جدعون الذي هزم المديانيين بقوة إلهية وعدد قليل من الرجال إلى نموذج تسمية وتخيل لعمليات مثل «مركبات جدعون» في غزة، بما يمنح الحملة العسكرية هالة «حرب مقدسة» ضد عدو يُشيطن وجوده ذاته. ويستند وزراء من وزن بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير إلى آيات الوعد بالأرض «من نهر مصر إلى النهر الكبير، الفرات» لتسويغ مشروع توسع مستمر يُعامل الضفة وغزة بوصفهما فضاءً لوعد لا يقبل التراجع، لا كقضية حدود سياسية قابلة للتفاوض.
هذا التوظيف الديني يجد جذوره في إرث الصهيونية التصحيحية كما صاغها زئيف جابوتنسكي، الذي دعا إلى بناء «جدار من فولاذ» في وجه السكان الأصليين، وهو الإرث الذي تشربه بنزيون نتنياهو، والد رئيس الوزراء، ثم ورّثه لابنه في شكل قناعة بأن «الشعب الفلسطيني» اختراع متأخر يستعمل فقط لنزع شرعية الدولة العبرية. ضمن هذا الإطار الفكري، تُقدَّم فكرة «أرض موعودة» بوصفها سند ملكية فوق‑تاريخي يُهمّش أي رواية أخرى للسكان أو للعدالة، ويحوّل الاحتلال العسكري الطويل إلى استمرار طبيعي لعهد توراتي، لا إلى سياسة قابلة للنقد والمحاسبة.
في المقابل، يذكّر كتّاب ومفكّرون إسرائيليون مثل دافيد غروسمان ويوفال هراري بأن النص نفسه يحمل طبقة أخرى من المعنى، حيث يظهر شمشون في القراءة التقليدية بوصفه «بطلًا مضادًا» انتهت قوته العمياء إلى خراب الجميع، وأن الإصرار على إسقاط نموذج شمشون على غزة اليوم يعني اختيار مسار انتقامي يهدد بتدمير الإسرائيليين والفلسطينيين معًا بدل أن يؤسس لترتيب إقليمي أكثر أمنًا. كما يشير لاهوت يهودي آخر إلى أن التوراة مليئة بآيات تذكّر بني إسرائيل بأنهم كانوا «غرباء في أرض مصر» وتدعو إلى عدم ظلم الغريب، ما يفتح الباب لقراءة تجعل من النص مرجعًا أخلاقيًا للعيش المشترك بدل أن يتحول إلى «سجل عقاري» يُستخدم كذريعة دائمة للإقصاء والحصار والضم.