خيبر لِمَن؟ نقاش التاريخ والملكية بين الخطاب الصهيوني والسردية العربية

أضيف بتاريخ 01/03/2026
دار سُبْحة


أثار حديث الباحثة الشرقية الإسرائيلية عيديت بار مع الباحث د. عدي كوهين، على قناة i24NEWS من ميناء يافا، موجة واسعة من الجدل بسبب محاولته إعادة صياغة معادلة الملكية التاريخية على الأرض، ليس في فلسطين وحدها، بل في شبه الجزيرة العربية أيضًا. في سياق ساخر ذي رسالة سياسية واضحة، حاولت بار قلب الحجة الفلسطينية الشهيرة: "كنا هنا قبل اليهود، وهذه فلسطين لنا"، عبر استدعاء مثال خيبر في الحجاز والقول بالعربية: "كنا في خيبر قبل المسلمين، إذن خيبر لنا!". هكذا انتقلت من نقض السردية الفلسطينية إلى طرح مطالبة يهودية رمزية بأرض سعودية، في توظيف واضح للتاريخ كأداة في الصراع السياسي المعاصر.


>

جوهر المعادلة التي حاولت بار فرضها يقوم على القياس: إذا كانت "الأقدمية التاريخية" تمنح الفلسطينيين حقًا في فلسطين، فإن اليهود – وفق روايتها – يملكون الحق نفسه في خيبر حيث وُجدت تجمعات يهودية قبل الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي. هذا الطرح لا يأتي في فراغ، بل في سياق أوسع لمحاولات إسرائيلية متكررة لنزع الشرعية عن الرواية الوطنية الفلسطينية، عبر القول إن معيار "من كان هنا أولًا" إشكالي، وأن تطبيقه بالمطلق سيقود إلى نتائج تتجاوز فلسطين إلى الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام. لكن بار لا تكتفي بالنقاش النظري؛ بل تصوغ مطلبًا صريحًا وشعارًا سياسيًا: "خيبر لنا، فقط لنا"، في استعادة معكوسة لشعار "من النهر إلى البحر" ولكن على أرض غير فلسطينية هذه المرة.

اللافت في الحوار هو المزج بين الطابع الخفيف والمضمون الثقيل. فالحديث يجري في جو من المزاح المتبادل؛ كوهين يعلّق مبتسمًا: "نعطيهم فلسطين، لكن ليعيدوا لنا خيبر"، ثم يحذّرها من أن كلامها سيُغضِب السعوديين، فترد ببرود: "ما الذي يهمني؟". هذا الجو المرح لا يلغي الطبيعة الخطرة للرسالة، بل ربما يزيد من قابليتها للانتشار، لأن الخطاب حين يُقدَّم في قالب ساخر يصبح أسهل تداولًا على الشبكات الاجتماعية، ويُسهم في تطبيع أفكار متطرفة حول إعادة رسم خرائط الملكية التاريخية في المنطقة. هنا يتحول "النكتة" إلى أداة ناعمة لتمرير خطاب صهيوني توسعي يتجاوز فلسطين إلى قلب الحجاز.

الشق الثاني من الطرح يذهب أبعد من خيبر ذاتها، عبر استدعاء الرواية الإسلامية والتاريخ العربي للدفاع عن وجود يهودي واسع ومبكر في الجزيرة العربية. يتم الحديث عن مدن وواحات مثل يثرب قبل أن تصبح "المدينة المنورة"، وفدك، وتيماء، ووادي القرى، ونجران، وأدرخ ومقنا، بوصفها مراكز ذات حضور يهودي قوي أو غالب في شمال وغرب الجزيرة. وفق هذا المنطق، لا يعود اليهود مجرد "أقلية" عابرة في فضاء عربي إسلامي، بل تتحول شبه الجزيرة نفسها إلى فضاء تاريخي يهودي كان حيويًا قبل الإسلام، بما في ذلك مناطق قريبة من أقدس بقاع العالم الإسلامي اليوم. حتى لو بقي هذا الكلام في مستوى الخطاب النظري، فهو يفتح الباب لتصور رمزي: إذا كانت فلسطين قابلة للنقاش على أساس من كان هنا أولًا، فلماذا لا تمتد المناقشة نفسها إلى الحجاز ونجران وسواحل خليج العقبة؟

من الناحية المعرفية، إلى حقيقة تاريخية جزئية ثم يبني عليها استنتاجًا سياسيًا شاملًا. نعم، تذكر المصادر الإسلامية الكلاسيكية (السيرة النبوية، كتب المغازي والفتوح) وجود قبائل ومستوطنات يهودية في يثرب وخيبر وفدك ووادي القرى وغيرها، وأنها كانت لاعبًا اقتصاديًا وعسكريًا مهمًا قبل الإسلام وفي بداياته. لكن تحويل هذا الوجود التاريخي إلى مطالبة معاصرة بالملكية، أو إلى دليل على "حق يهودي أصيل" في الحجاز، يتجاهل ألف وأربعمئة عام من التحولات الديموغرافية والسياسية والثقافية، ويتعامل مع التاريخ كأنه ملكية مجمّدة يمكن استرجاعها متى شاءت قوة ما. هذا النوع من القراءة الانتقائية ليس حكرًا على بار، بل هو جزء من منهج كامل في الفكر الصهيوني يعتمد على القصص التوراتية والروايات القديمة لإضفاء شرعية على مشروع استعماري حديث.

هذه "المعادلة" تتقاطع أيضًا مع قضية أوسع بين العرب والإسرائيليين حول سؤال الأسبقية التاريخية في فلسطين. السردية الصهيونية الكلاسيكية تقول: "عدنا إلى أرض أجدادنا بعد ألفي عام"، بينما يرد الفلسطينيون: "نحن هنا منذ قرون، ولم نغادر هذه الأرض". في محاولة لنقض الحجة الفلسطينية، يقترح التيار الذي تمثله بار أن معيار الأقدمية إذا طُبّق بصرامة، فسيفتح المجال أمام سلسلة لا نهاية لها من المطالب التاريخية المتبادلة: اليونان في تركيا، والأمازيغ في شمال إفريقيا، والترك في آسيا الوسطى، واليهود في الحجاز، وهكذا. لكن بدل أن يكون الهدف الوصول إلى استنتاج منطقي يقول: "إذن لا بد من الاعتراف بالوقائع الحالية وحقوق الشعوب القائمة"، تُستغل هذه المعضلة للدفع باتجاه نزع الشرعية عن المطالب الفلسطينية تحديدًا، مع الاحتفاظ بالشرعية المطلقة للمطالب الإسرائيلية.

في السياق العربي، يحمل استدعاء "خيبر" دلالات إضافية. لأنها مرتبطة في الذاكرة الإسلامية بحوادث الصراع بين المسلمين واليهود في زمن النبي محمد. تحويل هذا الرمز التاريخي إلى شعار سياسي مضاد للعرب والسعوديين يشكل استفزازًا متعدد المستويات: دينيًا، لأنه يعيد فتح ملف صراع مبكر حساس؛ وسياسيًا، لأنه يطال السيادة السعودية على أرض تعتبر جزءًا من الهوية التأسيسية للدولة الحديثة؛ وإعلاميًا، لأنه يقدّم مادة قابلة للاشتعال في فضاء محتقن أصلًا بالصراعات الرمزية حول القدس وفلسطين والتطبيع. لذلك لا يمكن قراءة كلام بار كـ"مزحة عابرة"، بل كجزء من معركة روايات تحاول فيها أطراف إسرائيلية نقل النقاش من حدود 1967 و1948 إلى ما قبل الإسلام نفسه.

ما يعزز خطورة هذا الخطاب أنه يُقدَّم من داخل منصة إعلامية ناطقة بالعربية، ويُصاغ بلغة مباشرة موجهة إلى الجمهور العربي ذاته. هذا يعني أن المعركة لم تعد محصورة في غرف التفاوض أو المقالات الأكاديمية، بل انتقلت إلى مستوى "اللعب داخل ملعب الخصم"، كما يوحي نص الحوار نفسه. يتم استخدام أدوات التاريخ الإسلامي، ومصطلحات السيرة، ومفردات الوعي الجمعي العربي، من أجل تفكيك روايته من الداخل وإعادة تركيبها لصالح رواية يهودية/صهيونية بديلة. هنا لا تعود خيبر مجرد مثال تاريخي؛ بل تصبح سلاحًا رمزيًا في صراع سرديات طويلة المدى.

هذا النقاش يكشف عن مأزق معيار "من كان هنا أولًا" عندما يُستعمل وحده كأساس لمشروعية سياسية معاصرة. فالمنطقة بأكملها، من فلسطين إلى الحجاز إلى الشام والعراق، شهدت تعاقب حضارات وديانات وأقوام، ولا يمكن اختزال حق الشعوب الحالية في العيش والسيادة والكرامة في سباق متخيّل إلى الماضي. ما تقوله بار – حتى لو جاء في قالب ساخر – ليس مجرد استفزاز؛ بل هو محاولة لدفع النقاش نحو حافة العبث: إذا كان الفلسطيني مطالبًا بإثبات أنه أقدم من اليهود على هذه الأرض، فلتكن السعودية نفسها مطالبة بالدفاع عن حجازها في مواجهة "يهودية خيبر" التاريخية. وهنا تكمن خطورة الخطاب: تحويل التاريخ إلى مزاد سياسي مفتوح، بدل أن يكون مرجعًا للفهم، ليصبح أداة لتبرير الإقصاء ونزع الشرعية وإعادة ترسيم الحقوق على مقاس القوة لا على أساس العدالة.