كتاب «تصوير التصوف».. حين تتحول المخطوطة الصوفية إلى مختبر للصورة القرآنية

أضيف بتاريخ 01/18/2026
دار سُبْحة

يعتبر كتاب «تصوير التصوف: دراسات في التمثيلات البصرية في الأدب الصوفي (القرن 13–16م)»، الصادر عن دار بريل ضمن سلسلة «التاريخ الفكري الإسلاموي» (Islamicate Intellectual History)، أحد الإصدارات الأكاديمية الحديثة التي تعيد اكتشاف البعد البصري في التراث الصوفي الإسلامي. من خلال قراءة المخطوطات بوصفها فضاءات للنص والصورة معًا، لا للنص وحده. يجمع الكتاب، الذي حرّره الباحث الإيطالي جيوفاني ماريا مارتيني، دراساتٍ متخصّصة لعدد من الباحثين الدوليين، لتقدّم توثيق وتحليل للمخططات، والرسوم، والتشكيلات الخطية التي صاغها المتصوفة بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر.



هذا العمل الجماعي ينطلق من سؤالٍ محوري: كيف حضر الرسم، والمخطط، والرمز البصري داخل نصوص التصوف الكلاسيكية، لا سيما في المخطوطات غير المنشورة التي ظلّت حبيسة خزائن المكتبات؟ يتتبّع الباحثون اشتغال المتصوفة على اللغة القرآنية في بعدها الشكلي والمرئي، فيحوّلون الآيات، وأسماء الله الحسنى، وصيغ الشهادة والتوحيد، إلى خرائط رمزية وهندسية تعبّر عن مراتب الوجود وتجليات الأسماء الإلهية في الكون، بحيث يصبح القرآن «كلماتٍ متجسّدة في الصور» لا نصًا يُتلى فحسب. وتكشف هذه الدراسات أن ما يمكن تسميته بـ«التصوف البصري» ليس ترفًا زخرفيًا، بل مسارًا معرفيًا متكاملًا يربط بين التلاوة، والتفسير، والتجربة الروحية، وبناء الصورة.

يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لأعمال أعلام كابن عربي، وأحمد البوني، وسعد الدين حمويه، والشعراني، إلى جانب شبكات فكرية وروحية مثل الحروفية والبكتاشية. حيث تشكّل المخطوطات لديهم مختبرًا لتجريب الأشكال الخطية والرسوم الدائرية والمصفوفات. في هذه النصوص، تتحول الكلمات القرآنية إلى دوائر، وأسهم، وجداول، ومربّعات سحرية، وشبكات من العلاقات البصرية التي تجسّد مفاهيم مثل الخلق بالأمر الإلهي، والنَّفَس الرباني، وتراتب العوالم من الغيب إلى الشهادة. مما يفتح الباب أمام قراءة جديدة للكون بوصفه «كتابًا مرسومًا» موازٍ للكتاب المتلو. ويبرز هنا بشكل خاص اجتهاد ابن عربي في تحليل صيغة الشهادة «لا إله إلا الله» وما تتيحه من تمثيلات هرمية لدرجات الوجود. حيث تصبح الصورة امتدادًا للتفسير العرفاني للآية، وليست مجرد زينة على بياض الصفحة.

هذا المجلّد يتقدم أيضًا بفرضية جريئة مفادها أن التصوف الإسلامي أسهم في إنتاج لغة بصرية خاصة داخل الثقافة الإسلامية. هذه اللغة استمدّت مادتها من الوحي القرآني ومفاهيمه الكبرى: التوحيد، والخلق، والعلم، والكشف، والرجوع إلى الله. وفق هذا التصوّر، لا تُقرأ المخطوطات الصوفية بوصفها نصوصًا مكتوبة فقط، بل باعتبارها بنيات بصرية متكاملة. حيث تكتسب طريقة توزيع الآيات، وترتيب العناوين، ومساحات الفراغ، ومواقع الرسم، أبعادًا تأويلية وروحية موازية للخطاب المكتوب. لتصبح أداة للتذكير، والتأمل، والتدرّج في المقامات. ومن خلال تحليل هذه العناصر، يكشف الكتاب عن كيفية تلقي المتصوفة للقرآن بوصفه حقيقة كونية تتجلّى في اللغة والصوت والخطّ والصورة في آن واحد.

أهمية «تصوير التصوف» أنه لا يقدّم مادّة وصفية عن رسوم مبعثرة في الهوامش، بل يعيد تنظيم هذا التراث البصري في إطارٍ علمي يجمع بين التاريخ الفكري، وعلم المخطوطات، وتاريخ الفن الإسلامي، والدراسات القرآنية. فالرسوم والخرائط والدوائر التي يدرسها الباحثون تُقرأ في سياق شبكات من العلماء والمتصوفة، وفي ضوء تحوّلات الفكر الإسلامي بين المشرق والمغرب والأناضول، بما في ذلك علاقة هذه التشكيلات البصرية بالعلوم العقلية والرياضية السائدة آنذاك. ويقدّم المجلد، من خلال هذا المنظور، مصادر جديدة للباحثين في التصوف، وتاريخ المصاحف، والمخطوطات القرآنية، وأشكال توظيف أسماء الله والآيات في الرقى والتمائم والتعاويذ، بوصفها جميعًا جزءًا من اقتصاد رمزي قرآني معقد.

بهذا المعنى، يشكّل الكتاب خطوة تأسيسية في دراسات «التصوف البصري» وفي إعادة الاعتبار للصورة بوصفها وسيطًا لفهم الوحي، لا منافسًا للنص. هذا يفتح أمام الباحثين العرب فرصة جديدة لإعادة قراءة التراث الصوفي والمخطوطات القرآنية من زاوية جمالية ومعرفية مختلفة. إنه عمل يهمّ مؤرخي الفن الإسلامي، والباحثين في المصاحف المبكرة ومصاحف الصحابة، والمتخصصين في علوم القرآن والتفسير الصوفي، إلى جانب المهتمين بتاريخ الاستشراق الذي بدأ، بدوره، يلتفت إلى هذه اللغة الكامنة في قلب التجربة.