الباحث الألماني توماس باور: هل تراجعت ثقافة الغموض في الإسلام المعاصر؟

أضيف بتاريخ 01/19/2026
دار سُبْحة

يرى الباحث الألماني توماس باور، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة مونستر والحاصل على جوائز علمية مرموقة منها جائزة ليبنيتز، أن العالم الإسلامي عاش قروناً من «التسامح مع الغموض» في فهم النصوص الدينية والأدب، قبل أن تتراجع هذه الثقافة في العصر الحديث تحت ضغط نزعة اليقين والوضوح المطلقة التي رسختها الحداثة الأوروبية. وقد صدرت الترجمة الفرنسية لكتابه «ثقافة الغموض: تاريخ آخر للإسلام» عن دار «Fenêtres» عام 2025، مقدمةً قراءة مختلفة لتراث إسلامي طالما وُصِف خطأً بأنه دوغمائي ومغلق على التأويل. 



ينطلق باور من مفهوم نفسي هو «التسامح مع الغموض»، وينقله من مستوى الفرد إلى مستوى المجتمع. المقصود هو قدرة الثقافة على التعايش مع التناقضات والتأويلات المتعددة والمعاني غير الحاسمة. في السياق الإسلامي قبل العصر الحديث، كانت تعددية القراءات القرآنية والاختلافات في الضبط والرسم والنطق جزءاً من تراث معتمد، مع تمييز درجات الوثوقية من دون إلغاء شرعية أكثر من قراءة. وعلى المنوال نفسه، عرضت التفاسير الكلاسيكية احتمالات تفسيرية متجاورة لآيات كثيرة، من غير ادعاء حسم نهائي.

يؤكد باور، كما ورد في مقابلة نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، أن هذا الأفق التأويلي الواسع بدأ يتقلص مع صعود النموذج الأوروبي للوضوح اليقيني منذ الإصلاح البروتستانتي وما تلاه من حروب دينية، حيث تحولت «محاربة الغموض» إلى قيمة مركزية ارتبطت بفكرة التقدم، ثم استُخدمت لتبرير المشروع الاستعماري ورسالة «التمدين». أمام التفوق الاقتصادي والعسكري الأوروبي في القرن التاسع عشر، اهتزّت ثقة النخب في البلدان الإسلامية بتراثها، وتراجعت سلطة العلماء التقليديين لصالح نخبة جديدة متكوّنة على النمط الغربي؛ ومع هذا التحول الاجتماعي، ضعفت القابلية الثقافية لتحمّل التعقيد والتعدد.

يُقسّم باور القرن العشرين إلى مرحلتين فكريتين بارزتين. أولاً، دعت قطاعات واسعة من المثقفين إلى قطيعة شبه كاملة مع الماضي تبنياً لآيديولوجيات حديثة كالقومية والاشتراكية؛ وعندما فشلت هذه الرهانات، اتجهت الأنظار إلى «العودة إلى الإسلام الحقيقي». لكن هذا «الحقيقي» صيغ بأدوات الحداثة ذاتها: انضباط آيديولوجي، سعي إلى نص واحد واضح لا يقبل الالتباس، ونظرة شكّية إلى تراث التأويل. هكذا ظهر إسلام معاصر يُعاد بناؤه وفق معيار الانسجام الصارم ونفي الغموض، لا وفق تراث تاريخي متسامح مع التعدد.

في هذا الإطار يطرح باور فكرة «أسلمة الإسلام»، أي اختزال ثقافة واسعة إلى هوية دينية صارمة تُخضع كل ظواهر الحياة لمقياس ديني، وتقدّم التيارات الأكثر تشدداً كأنها النموذج الأصيل. يُشير إلى أن القراءة الغربية والمؤسسات المتحفية تصنّف أعمالاً دنيوية ضمن «الفن الإسلامي»، وأن السياسات الحديثة في مناطق مثل العراق بعد الغزو الأمريكي قسّمت السلطة على أسس طائفية. كما يغدو التيار الوهابي، رغم هامشيته التاريخية، واجهة تمثيلية للإسلام في المخيال العام، وهو ما يعمّق الانطباع بأن الدين هو المحدّد الوحيد للثقافة.

يراجع باور النظرة إلى التاريخ في البلدان الإسلامية بين فخر بـ«العصر الذهبي» في القرون الهجرية الأولى، ونفور من القرون اللاحقة التي تُقدَّم كعهود انحطاط. المفارقة أن هذه الفترات المتهمة كانت ذروة الازدهار الأدبي والفكري القابل للتعدد؛ فالدراسات الحديثة تكشف كنوزاً، منها الأدب المملوكي الذي ظل طويلاً شبه مجهول، وقد أسهمت معارض حديثة مثل عرض «المماليك» في متحف اللوفر عام 2025، والمستمر في «اللوفر أبوظبي»، في إعادة إبراز هذا الإرث.

ينبّه باور إلى أن أزمة الدين في الحداثة هي، في جوهرها، أزمة «التسامح مع الغموض». فالدين يفترض الإيمان بما هو غائب عن الحس والتجربة المباشرة، والنصوص الدينية تحمل بطبيعتها إمكانات دلالية متعددة. حين تُفرض قراءة حرفية مغلقة تنفي التأويل، كما يفعل التيار السلفي، يُختزل التاريخ وتُقصى تعقيداته لصالح صورة أحادية قاسية لا تشبه الإسلام التاريخي. بهذا المنطق، تتغذى سرديات معادية للإسلام في الغرب من نموذج التشدد ذاته، فتتشكل دائرة تعاضد بين تطرف يزعم الصفاء وتصورات إسلاموفوبية تستدعيه دليلاً على الخطر.

بالنسبة لباور، الحفاظ على فضاء تأويلي مفتوح ليس شأناً لاهوتياً فحسب، بل ضرورة اجتماعية وسياسية؛ فالديمقراطية، بوصفها ممارسة تفاوضية قائمة على المداولة والتسوية، تحتاج إلى ثقافة تقبل الالتباس وتحتمل الاختلاف. إعادة الاعتبار لتراث «التسامح مع الغموض» في العالم الإسلامي قد تتيح سردية ثقافية أكثر إنسانية وقدرة على استيعاب التعدد، وتستند إلى خبرة تاريخية واسعة لا تختزل الإسلام في أقصى تعبيراته تشدداً.