يقدَّم ملف الإخوان المسلمين اليوم في فرنسا كإحدى أكثر قضايا الإسلام السياسي حساسية. إذ يعود إلى صدارة الجدل السياسي مع مناقشة في الجمعية الوطنية لمقترح يهدف إلى دفع الاتحاد الأوروبي نحو إدراج الجماعة على قائمة التنظيمات الإرهابية، وذلك في سياق خطاب يربط بينهم وبين مشروع لفرض الشريعة الإسلامية على المجتمع الفرنسي. تشير الحلقة المخصَّصة لهذا الموضوع في بودكاست «ساعة العالم» لصحيفة «لوموند» إلى أن مبادرة حزب «الجمهوريون» تأتي بعد أن اتخذت الولايات المتحدة قراراً بتصنيف فروع التنظيم في مصر ولبنان والأردن على أنها منظمات إرهابية. ما يساهم في إضفاء بعد دولي على النقاش الدائر في فرنسا حول هذه الحركة.
الصحفي كريستوف آياد يشرح في الحوار أن جذور جماعة الإخوان المسلمين إلى عام 1928، حين أسسها حسن البنّا، وهو معلم مصري من مدينة الإسماعيلية المطلة على قناة السويس. ذلك كان في مناخ اتسم بهيمنة بريطانية على مصر رغم استقلالها الشكلي، وبتملّك بريطاني–فرنسي لقناة السويس. انطلقت الحركة من شعور قوي بالرفض للهيمنة الغربية ومن قناعة بأن إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924 ترك العالم الإسلامي بلا مرجعية سياسية موحّدة. فحاول مؤسسها أن يعيد صياغة هذه الوحدة المفقودة عبر مشروع أيديولوجي يقوم على إعادة أسلمة المجتمع والدولة. في هذا التصور، يفرق آياد بين ما هو «إسلامي» باعتباره مرتبطاً بالدين والعبادة والثقافة، وبين ما هو «إسلامي سياسي» أو «إسلاموي» الذي يتخذ من النصوص الدينية برنامجاً سياسياً للحكم وتنظيم المجتمع على أساس الشريعة.
في الحوار، يُشار إلى أن الإخوان تبنوا منذ البداية أدوات غير عنيفة للوصول إلى السلطة، مثل الدعوة والوعظ والعمل الاجتماعي والمشاركة في الانتخابات حيثما توفرت، في مقابل التيارات الجهادية التي ترى أن إقامة الدولة الإسلامية لا يكون إلا بالعنف المسلح. مع مرور الوقت، شهدت الجماعة توسعاً سريعاً في مصر، إذ انتقلت عضويتها تقريباً من بضعة آلاف في أوائل الثلاثينيات إلى مئات الآلاف بعد عقد واحد، وأنشأت ذراعاً شبه عسكرية شاركت في حرب 1948 ضد قيام دولة إسرائيل، قبل أن تدخل في مواجهة حادة مع السلطة الملكية بسبب تورط أحد أعضائها في اغتيال رئيس الوزراء المصري آنذاك.
يوضح آياد أن اغتيال حسن البنّا على يد أجهزة الأمن الملكية عام 1949 فتح مرحلة طويلة من القمع في مصر. أعقبتها فترات من النهوض والتراجع، إلى أن اختارت الجماعة في سبعينيات القرن الماضي محاولة الاندماج في اللعبة السياسية والرهان على الآليات الديمقراطية والانتخابات. هذا المسار قاد إلى لحظة مفصلية مع اندلاع ثورات «الربيع العربي» عامي 2010–2011. حين نجحت القوى المرتبطة بالإخوان أو المتأثرة بهم في الفوز بالانتخابات في بلدان مثل تونس ومصر والمغرب، وفي تحقيق نفوذ ملحوظ في ليبيا واليمن. مستفيدة من صورة الحركة كبديل «نزيه» و«قريب من الناس» مقارنة بالأنظمة العسكرية المتكلسة أو الأحزاب القومية التقليدية.
لكن التجربة في الحكم، كما تلاحظ الحلقة، كشفت بسرعة عن محدودية قدرة هذه القوى على إدارة الدولة الحديثة. سواء لضعف خبرتها في الحكم أو لصدامها مع الأجهزة العسكرية والأمنية، أو لعدم امتلاكها برامج اقتصادية واجتماعية واضحة تتجاوز الشعارات العامة. في مصر، انتهى الأمر بانقلاب عسكري عام 2013 أطاح بالرئيس محمد مرسي، أعقبه قمع واسع النطاق شمل اعتقال عشرات الآلاف من المنتمين للجماعة ومقتل المئات في عمليات قمع للمظاهرات. في تونس، اضطر حزب النهضة إلى تقاسم السلطة ثم فقد تأثيره تدريجياً قبل أن يُقصى من البرلمان في سياق التحولات السياسية التي قادها الرئيس قيس سعيّد. بينما خسر حزب العدالة والتنمية في المغرب الانتخابات بعد ولايتين حكوميتين أضعفتاه سياسياً وشعبياً.
آياد يشير أيضاً إلى أن المشهد في ليبيا وسوريا سلك مسارات أخرى. حيث جرى تهميش التيار المتأثر بالإخوان لصالح فصائل أكثر تشدداً أو قوى عسكرية مدعومة من قوى إقليمية مناهضة للإخوان. كما حدث مع صعود خليفة حفتر في الشرق الليبي بدعم من دول عربية ترى في الإسلام السياسي تهديداً لمشروعيتها الداخلية. أما قطر، التي لعبت سابقاً دوراً بارزاً في دعم هذا التيار عبر نفوذها الإعلامي والمالي، فقد خففت من اندفاعها تحت الضغط السياسي والاقتصادي الذي مارسته عليها السعودية والإمارات. وهما دولتان تتبنيان نموذجاً دينياً محافظاً مع رفض واضح لكل منافسة على المرجعية الدينية والسياسية. في المحصلة، يبدو أن تركيا تمثل الحالة الأبرز اليوم لتحالف بين سلطة منتخبة وخطاب سياسي محافظ قريب من الإخوان. وإن في إطار قومي وتركيبة خاصة تجعل هذه التجربة مميزة لا يمكن نسخها بسهولة في أماكن أخرى.
آياد يلاحظ أن الذروة التاريخية لحضور تيار قريب من الإخوان في فرنسا تعود إلى العقد الأول من الألفية، حين برز «اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا» (UOIF) بوصفه واجهة دعوية وتنظيمية تؤثر في جزء من المشهد الإسلامي. هذا الاتحاد، الذي تحوّل لاحقاً إلى «مسلمو فرنسا»، كان يشارك في هيئات تمثيل المسلمين ويفوز بمقاعد في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، كما كان ينظم ملتقى سنوياً كبيراً في ضاحية باريس (معرض بورجيه) يستقطب العديد من الزوار، بمن فيهم شخصيات سياسية بارزة مثل نيكولا ساركوزي خلال توليه وزارة الداخلية.
من العناصر التي يذكرها الحوار أن شخصية طارق رمضان لعبت في تلك المرحلة دوراً مركزياً في إعطاء هذا التيار بعداً فكرياً وخطابياً مؤثراً. واستفاد من مكانته كحفيد لحسن البنّا ومن قدرته على مخاطبة الأوساط الطلابية والمثقفة بلغة مزدوجة بين المرجعية الإسلامية والثقافة الأوروبية. لكن هذه المكانة تدهورت في السنوات اللاحقة بعد توالي الاتهامات والملفات القضائية المتعلقة بالعنف الجنسي والاغتصاب. ما أدى إلى انهيار صورته العامة وفقدان جزء كبير من رأس المال الرمزي الذي كان يستثمره هذا التيار في فرنسا وأوروبا.
تسجل الحلقة منعطفاً حاسماً في عام 2015، حين أدت الهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا إلى تشدد واسع في النظرة إلى كل تعبير عن الإسلام السياسي، بما في ذلك التيارات التي لا تدعو إلى العنف. يوضح آياد أن السلطات الفرنسية اتخذت منذ ذلك الحين إجراءات متتالية طالت جمعيات ومساجد ومدارس ومراكز تعليمية اتُّهمت، بدرجات متفاوتة، بالترويج لخطاب قريب من «الإخوان» أو بالمساهمة في نشر تصور «ضحيّة» يعتبر الإسلام مستهدفاً على الدوام، مثل لجنة مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا أو بعض المدارس الخاصة كليسيه «أفِرّويس» و«الكنـدي» ومؤسسات أخرى فقدت عقود الشراكة مع الدولة أو أُغلقت نهائياً. كما يشير إلى إغلاق معهد للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية كان يعد من أبرز مراكز تكوين الأئمة في فرنسا، بدعوى قربه الفكري من المرجعية الإخوانية.
مع كل ذلك، يلفت آياد إلى أن ما يمكن تسميته «قلاع الإخوان» في فرنسا لم يعد موجوداً بالمعنى التنظيمي. وأن الحركة لا تشكل اليوم سوى مكوّن صغير داخل مشهد إسلامي فرنسي متشظٍّ ومتعدد المرجعيات. ويستشهد بتقديرات صادرة عن أجهزة الأمن الداخلية تشير إلى أن عدد الناشطين المرتبطين فعلياً بهذا التيار يتراوح بين 500 و3000 شخص. وهو رقم يعكس صعوبة القياس من جهة وهامشية الوزن التنظيمي من جهة أخرى.
مع ذلك، يستمر الخطاب السياسي في استدعاء صورة «الخطر الإخواني». يظهر في تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون وعدد من الوزراء الذين يتحدثون عن ظاهرة «الاختراق» أو «الانغراس الهادئ» عبر جمعيات رياضية وثقافية ومحلية. يوضح آياد أن مفهوم «الانْتِرِيسْم» يعني، في نظره، استراتيجية تقوم على دخول هادئ ومنظم إلى البنى المحلية المنتخبة والمؤسسات الاجتماعية بهدف التأثير في القرارات العامة وفق رؤية محافظة منسجمة مع القراءة الإسلامية للشريعة. لكنه يضيف أن تحويل هذا المفهوم إلى ظاهرة «واسعة النطاق» في فرنسا يبدو مبالغاً فيه بالنظر إلى السياق الأمني والسياسي الحالي.
من جهة أخرى، يميّز الحوار بين «أسلمة» متزايدة في نمط الحياة لدى جزء من المسلمين في فرنسا، تجسَّد في انتشار الحجاب والمنتجات الحلال وتزايد المطالب المرتبطة بحرية الممارسة الدينية، وبين قيام مشروع سياسي منظم يسعى إلى تغيير النظام القانوني أو فرض الشريعة على المجتمع ككل. يصر آياد على أن ما يُلحظ اليوم هو أساساً موجة تدين أقوى داخل بعض الأوساط المسلمة، لا مشروع إخواني متكامل لإعادة صياغة الدولة الفرنسية، حتى لو أخذت بعض المطالب شكل صدام مع مبدأ العلمانية كما في الجدل حول البوركيني في المسابح أو مطالب توفير وجبات حلال في المدارس.
يرى المتحدث أن التركيز السياسي على الإخوان يعبر أيضاً عن خلط بين مختلف التيارات داخل الإسلام السياسي. أحياناً التعامل مع الإسلاموية وكأنها كتلة واحدة، بينما توجد فروق عميقة بين الإخوان والتيارات السلفية أو الجهادية. ويعتبر أن الخطر الأهم في الوقت الراهن قد يتمثل في انتشار السلفية ذات الطابع الانفصالي، التي لا تسعى إلى تغيير النظام العام بقدر ما تدعو إلى قطيعة مع المجتمع والمؤسسات وترفض فكرة المشاركة في الانتخابات، معتبرة أن الديمقراطية في ذاتها غير شرعية دينياً.
أخيراً، ينقل البودكاست انطباعاً سائداً لدى عدد من الفاعلين المسلمين في فرنسا بأن التركيز المستمر على «التهديد الإخواني» يغذي شعوراً بكون المسلمين موضوعاً دائماً للريبة. خاصة حين تُستخدم تقارير رسمية لتبرير تشديد القوانين والمراقبة، في وقت ترى فيه جمعيات إسلامية أن هذه المقاربة تساهم في تعزيز مناخ من الإسلاموفوبيا البنيوية. بهذا المعنى، يخلص الحوار إلى أن الإخوان المسلمين في فرنسا يشغلون حيزاً أكبر في الخطاب السياسي والإعلامي مما يحتلونه في الواقع الميداني. وأن صورتهم تُستثمر كأداة في معارك الهوية والسياسة الداخلية أكثر مما تعبّر عن قوة تنظيمية حقيقية قادرة على تغيير عميق في المجتمع الفرنسي.