الفتاوى الرقمية: كيف تتمدّد السلفية في الفضاء الإلكتروني

أضيف بتاريخ 01/27/2026
دار سُبْحة

أصبح العالم الرقمي جزءًا من ممارسة التدين اليومية، ومعه انتقلت الفتوى من مجلس الإفتاء إلى صفحات الإنترنت وتطبيقات الهواتف. الفتوى في أصلها «إيضاح» أو «جواب» فقهي يصدره مُفتٍ مؤهّل في الفقه الإسلامي، لكنها اليوم متاحة بضغطة زر لملايين المستخدمين، ما يغيّر طبيعة السؤال والجواب ويوسّع مدى التأثير.



هذا التحوّل فتح الباب أمام أصوات دعوية غير معتمدة أكاديميًا لتقديم آراء فقهية سريعة الاستهلاك عبر الشبكات الاجتماعية، مع حضورٍ لافت لثنائية «حلال/حرام» في خطاب مبسّط يهدف إلى الحسم السريع. وفق تقرير «المؤشر العالمي للفتوى» الصادر عن دار الإفتاء المصرية للفترة 2021–2023، والمتاح عبر موقع المؤسسة (تقرير المؤشر العالمي للفتوى)، فإن نحو 60% من الفتاوى المنشورة على الإنترنت تُنتج وفق منطق السرعة والانتشار لا وفق معالجة الأسئلة العميقة.



وتشير معطيات التقرير إلى أن القضايا الجدلية المرتبطة بالأسرة والمرأة تتصدّر المحتوى الأكثر تداولًا: أحكام الطلاق، المهور، وضوابط اللباس، حيث تشكّل الفتاوى الخاصة بالنساء أكثر من 30% من إجمالي الفتاوى الرقمية في العالم العربي، ما يعكس تفضيل المحتوى الاستقطابي على حساب الأسئلة الفقهية المركّبة.

في هذا السياق، تستثمر التيارات السلفية بيئة الإنترنت لتوسيع انتشارها عبر محتوى ديني يقدّم تفسيرًا حرفيًا للنصوص، ويعتمد على أحكام مختزلة قابلة للمشاركة السريعة. يتقاطع ذلك مع توسّع التأثير عبر الشبكات الاجتماعية، حيث تُبث رسائل منظّمة من مؤثرين دينيين يقدّمون أنفسهم كمرجعيات يومية للمستخدمين في قضايا الحلال والحرام والعبادات والمعاملات.

داخل فرنسا، سجّلت الجهات الرسمية تنامي هذا الحضور على المنصات الرقمية، إذ رصدت مذكرة داخلية لوزارة الداخلية في مايو 2025 تصاعد الخطاب الأصولي المرتبط بالسلفية والإخوان عبر قنوات مؤثّرين دينيين، وهو ما يعكس انتقال الفعل الدعوي من المساجد والمنتديات التقليدية إلى منظومات النشر الفوري، حيث تزداد قابلية الرسائل القصيرة للانتشار وتتراجع مساحات التفكيك والتأصيل.

تعكس هذه المشهدية أن «الفتوى الرقمية» لم تعد مجرد تحويل وسيلة، بل تحوّلًا في الإطار المرجعي لإنتاج المعرفة الدينية: مُحتوى سريع، مُوجّه، ومحمول على خوارزميات تُكافئ ما يُثير التفاعل. وبين الحاجة إلى إرشاد فقهي رصين ومقتضيات السوشيال ميديا، يتسع المجال لتأثير التيارات الأكثر قدرة على تبسيط الأحكام وربطها بأسئلة الحياة اليومية.