مستكشف تنكّر ليؤدي الحج الإسلامي : قصة ريتشارد بيرتون

أضيف بتاريخ 01/30/2026
دار سُبْحة

في ربيع عام 1853، ظهر رجل يُدعى «ميرزا عبد الله» غادر ميناء ساوثهامبتون إلى مصر، ثم قدّم نفسه لاحقًا بصفة «شيخ». خلف هذا القناع كان يكمن الإنجليزي ريتشارد بيرتون، المعروف بترجماته المثيرة للجدل لـ«ألف ليلة وليلة» و«كاماسوترا». رغم أن مكة محرّمة على غير المسلمين، وصل بيرتون إلى قلب المدينة المقدسة متقمصًا هوية مسلم، ووثّق تجربته في عمله «السرد الشخصي لحج إلى المدينة ومكة»، الذي شرع في كتابته بعد رحلته مباشرة واستمر في تنقيحه حتى «الطبعة التذكارية» عام 1893.



نشأ بيرتون بين فرنسا وإيطاليا في عائلة عسكرية، فأتقن مبكرًا لغات متعددة ولهجاتها إلى جانب اليونانية واللاتينية. نزوعه إلى كسر القواعد أخرجه من جامعة أكسفورد عام 1842، لكنه فتح له باب الهند مع «شركة الهند الشرقية البريطانية». هناك برزت موهبته اللغوية؛ اجتاز اختبارات الترجمة في الهندستانية ثم الفارسية والغجراتية والبنجابية، ما منحه مهمات ميدانية مع المجتمعات المحلية، بينها تحقيقات في كراتشي حول شبكات بغاء تستغل فتيانًا، كما يوثّق ذلك بحث Jonathan Bishop.

اختار بيرتون منهج الاندماج العميق بدل الملاحظة من بعيد؛ تعلّم العادات واللغة وسلوكيات أهل السند، وتعرّف إلى الإسلام من الداخل. وخلال أربع سنوات، صاغ شخصية «ميرزا عبد الله»، تاجرًا «نصف عربي ونصف إيراني» من بوشهر، بحسب قراءة Parama Roy. أصيب لاحقًا بالتهاب روماتيزمي في العين وغيرها من العلل، فقضى إجازة مرضية طويلة بين فرنسا وإنجلترا. ومع تعافيه النسبي في 1852، طلب دعم «الجمعية الجغرافية الملكية» لاستكشاف داخل الجزيرة العربية من مسقط إلى عدن، كما يوضح Jon R. Godsall. بحلول مارس 1853، مُدّدت إجازته العسكرية وانطلق مشروعه العربي المدعوم رسميًا.

كان الحج إلى مكة ركنًا دينيًا للمسلمين وحدهم؛ المدينة مهبط الوحي وموطن الكعبة التي يُطاف حولها سبعًا في المسجد الحرام. قبل الصورة الأولى للكعبة التي التقطها محمد صادق بيه عام 1861، ظلّ العالم الإسلامي محاطًا لدى كثير من الأوروبيين بهالة غموض غذّاها خيال استشراقي، على نحو بيّنه Edward W. Said. بالنسبة لمغامر مثل بيرتون، كانت مكة ذروة التنكّر، لكنها أيضًا اختبارًا لقدرة «ميرزا عبد الله» على الإقناع.

ما إن وصل إلى الإسكندرية حتى اصطدم بواقع مذهبي؛ تظاهر بالمذهب الشيعي في بيئة يغلب عليها السنّة، فخشي أن يُنبذ لا بوصفه أوروبيًا بل كشيعي يدّعي السنّة. سريعًا بدّل قناعه إلى «عبد الله الدراويش» ذي النزعة الصوفية، ثم استقر على شخصية «الشيخ عبد الله»؛ سنّي بشتوني من «أفغان الهند» تلقّى تعليمه في رانغون، يتقن البشتو ولغات المنطقة ويعمل بالحِجامة والعلاجات البسيطة ويحمل صناديق من المُسكّنات والمسهّلات والكلوروفورم، كما وصف في «السرد الشخصي». هذه السيرة المركّبة برّرت غرابة لهجته وعاداته وفتحت له أبواب القاهرة في رمضان ثم السويس وينبع فالمدينة، قبل أن يلتحق بقافلة الشام عبر نجد، ليغدو من أوائل الأوروبيين الذين سلكوا هذا الطريق.



سعى بيرتون إلى الامتزاج بالبيئة وفي الوقت نفسه إلى التميّز؛ صحّح للآخرين قراءات فقهية، داعب زوجات مرضاه، واستعرض شجاعة عند هجوم بدوي، كما تسجل ذلك قراءة Parama Roy. وعندما بلغ الكعبة كتب عن مصلّين يتشبثون بستارها و«أجنحة الملائكة» تهزّ كسوتها، لكنه نسب انجرافه الشعوري إلى «نشوة كبرياء محقّقة»، إشارة إلى نجاح الخُدعة. وضع يديه على الحجر الأسود بعد لحظة كادت تفضحه، وخاطره أن «تبيضّ عظامه في الصحراء» إن كُشف أمره. التقى أيضًا بشتونيًا «حقيقيًا» اعتبره رفيقًا أصيلاً؛ لحظة إنجاز لا تقل أهمية عن دخول مكة.

تركت رحلة الحج إرثًا ملتبسًا؛ إذ يقرأها بعض الباحثين في إطار ذهنية «الفتح الإمبراطوري» التي طبعت أوروبا القرن التاسع عشر ونظرتها إلى «الشرق». حتى اختيار بيرتون فعلًا مثل «الاختراق» لوصف هدفه يحمل إيحاء القسر. هل دنّس الموقع المقدس بتقمّصه؟ يرى Bishop وآخرون أن أقنعته كانت وقودًا لذات متضخّمة أكثر منها وسيلة اندماج، ويشكك Godsall في اتساق روايته، مرجّحًا أن هدفه الأول كان حضرموت لا مكة. وقد ظهرت تناقضات في تفاصيل سيرته، من موطن الولادة إلى سرديات رحلات أخرى.

مع ذلك، عبّر بيرتون عن تعاطف مع الإسلام وأهله؛ وصف التصوف بأنه «دين الجمال» وقرّب طقوسه من مألوف الأوروبيين بمقارنات مع المسيحية، محاولًا إعادة تدوير الصور النمطية لدى قرّاء إنجلترا آنذاك. يلاحظ Edward W. Said أن «السرد الشخصي» سعى «حقًا» لرؤية الحياة الشرقية من منظور غاطس فيها، لكنه ظلّ يحمل نفَس التفوق الإمبراطوري في مواضع عدة. بين تقديرٍ صادق لجزء من العالم الإسلامي ونزعة مراقِبة متعالية، بقيت هوية «ميرزا عبد الله» وأثر رحلة الحج سائلَين، يتشكلان مع كل قراءة جديدة.

المصدر