تستعيد باريس اليوم صفحة مؤثرة من تاريخها الحضري والديني مع الذكرى المئوية لافتتاح جامع باريس الكبير، ذلك المعلم الذي ارتبط اسمه بدور السلطان المغربي مولاي يوسف وبنشأة حضور إسلامي مؤسسي في قلب العاصمة الفرنسية. جاءت ولادة الجامع في سياق ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين سعت فرنسا إلى الاعتراف بجماعاتها المسلمة وتكريم الجنود القادمين من المغرب وباقي شمال أفريقيا، فانبثق مشروع جامع كبير يحمل رمزية دينية وثقافية ويعكس العلاقات المغربية الفرنسية.
ارتكز تصميم الجامع على عمارة أندلسية-مغاربية واضحة الملامح: منارة بواجهات مكسوة بالزليج، باحات داخلية تتوسطها نافورات، وأقواس مزخرفة بزخارف هندسية دقيقة. هذه اللغة البصرية جعلت المعلم نقطة التقاء بين باريس الحديثة وذاكرة فاس وتطوان ومراكش، ورسخت الجامع كمؤسسة دينية وخلفية ثقافية تفتح أبوابها أمام المصلين والباحثين والزوار. ومع افتتاحه قبل مئة عام، برز اسم السلطان مولاي يوسف ضمن رعاة الحدث، في دلالة على عمق الروابط السياسية والروحية وتقاطعات التاريخ بين المغرب وفرنسا.
لم يكن الجامع مجرد مبنى جديد في حي اللاتين، بل مؤسسة لعبت دوراً عملياً في تنظيم الحياة الدينية للمسلمين في باريس، وتوفير فضاء للتعليم والبحث والحوارات بين الثقافات. ومنذ افتتاحه عام 1926، شكّل مرجعاً للحضور المغربي والعربي في فرنسا، وأسهم في تعريف الجمهور بعمارة المغرب التقليدية وفنون الزليج والخشب المنقوش، واحتضن فعاليات علمية وفكرية جعلت منه حلقة وصل بين الضفتين.
ومع مرور قرن على الافتتاح، تتأكد دلالات الجامع الكبرى: شاهد معماري على تاريخ مشترك، وعنوان لاستمرارية العلاقات المغربية الفرنسية، ومعلم يوازن بين قداسة المكان ووظيفته المدنية. في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والدينية، يواصل جامع باريس الكبير أداء دوره كمرجع للتعايش والهوية، محافظاً على بصمة مغربية واضحة في قلب باريس، وذاكرة حية لحقبة فتحت أبواب المدينة أمام العمارة الإسلامية ورموزها.
مع AFP