يقدّم كتاب «قبر محمد: طقوس الموت وصناعة المجتمع الإسلامي» للباحث لِيور هاليفي دراسة تاريخية أنثروبولوجية لمرحلة التشكّل الأولى في التاريخ الإسلامي، انطلاقاً من زاوية تبدو هامشية ظاهرياً لكنها شديدة المركزية عملياً: طقوس الموت والجنائز. ينطلق المؤلف من فرضية أن الطريقة التي يُغسَّل بها الجسد، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن، ليست مجرد تفاصيل فقهية، بل آليات لإعادة تنظيم المجتمع وتحديد من هو «داخل» الجماعة الإسلامية ومن هو «خارجها».
يربط الكتاب بين النصوص الدينية (الحديث، والفقه، والروايات التاريخية) وبين الأدلة المادية والاجتماعية، ليبيّن كيف ساهمت أحكام الجنائز في إعادة تشكيل الفضاءين العام والخاص، ولا سيما ما يتصل بحضور النساء في المآتم، وحدود البكاء والندب، وتحوّل المقابر إلى فضاءات لها ضوابط شرعية ورمزية. كما يتوقف عند الممارسات اليومية المرتبطة بالموت من تجهيز الجثمان، وتلقي العزاء، والإنفاق على الجنائز، ليكشف تشابك العوامل الاقتصادية والسياسية مع الخطاب الديني في ضبط هذه الطقوس.
أحد الخيوط الرئيسة في الكتاب هو البعد المقارِن؛ إذ يوضح هاليفي كيف سعى علماء الإسلام الأوائل إلى تمييز الهوية الإسلامية عن المحيط الديني القائم آنذاك، من مسيحية ويهودية وزرادشتية، عبر ترسيم حدود صارمة لطقوس الحداد والدفن، مثل التحفّظ تجاه النياحة ورفع الصوت بالبكاء، أو تشديد بعض القواعد المتعلقة بزيارة القبور وبناء المعالم عليها. وبهذه المقاربة، يقدّم الكتاب قراءة نقدية لكيفية توظيف فقه الموت في مشروع أوسع لصناعة مجتمع إسلامي جديد، حيث تصبح الجنائز، بكل ما تحمله من حساسية وجدانية، مختبراً لتشكّل الهوية والانضباط الديني والاجتماعي.