في خطوة تعكس الرهان المتزايد على الخطاب الديني في قلب الحياة السياسية الأمريكية، أعلن الرئيس دونالد ترامب، خلال مشاركته في إفطار الصلاة الوطني في واشنطن، عن تنظيم تجمع ضخم في الساحة الوطنية (National Mall) يوم 17 مايو المقبل، قال إنه سيكون موعداً لـ"إعادة تكريس أمريكا كأمة واحدة تحت حكم الله". يأتي هذا الإعلان في لحظة يحتدم فيها الجدل حول هوية الولايات المتحدة، وحدود حضور الدين في المجال العام، ودور المسيحية الإنجيلية في تشكيل المزاج السياسي المحافظ.
ترامب قدّم الدعوة على أنها نداء مفتوح إلى الأمريكيين من مختلف الولايات لـ"القدوم إلى الساحة الوطنية، للصلاة وتقديم الشكر"، مؤكداً أن هذا الحدث لن يكون مجرد تجمع تعبوي عابر، بل لحظة رمزية لتجديد العهد الروحي للأمة واستعادة ما يصفه أنصاره بـ"الجذور المسيحية لأمريكا". بهذا الخطاب، يعيد الرئيس تموضعه مرة أخرى بوصفه زعيماً لـ"أمريكا المتدينة"، في مواجهة نخب ليبرالية يتهمها تياره بمحاولة إقصاء الله من المدارس، والإدارة، والفضاء العام.
هذا الإعلان ينسجم مع مسار طويل في مسيرة ترامب السياسية، حيث دأب على مخاطبة القاعدة الإنجيلية المحافظة بلغة تلامس هواجسها الثقافية أكثر من تفاصيل البرامج الاقتصادية. فالرئيس الذي قدّم نفسه منذ حملته الأولى باعتباره "حامياً لحرية المؤمنين"، يعود الآن إلى تكثيف مفردات مثل "الإيمان"، و"الله"، و"الأمة"، في لحظة تحتاج فيها إدارته إلى شد عصب مؤيديه بعد دورات متتالية من الاستقطاب الحاد، والتحقيقات، والاحتجاجات، والانقسامات الداخلية.
من الناحية الرمزية، اختيار الساحة الوطنية ليس تفصيلاً بروتوكولياً فحسب؛ فهذه المساحة المفتوحة في قلب العاصمة شهدت خطابات تاريخية، من بينها كلمات مارتن لوثر كينغ ومسيرات الحقوق المدنية، مروراً بتجمعات مناوئة للحروب، ووصولاً إلى حشود سياسية وثقافية مختلفة. تحويل هذا الفضاء إلى منصة لـ"إعادة تكريس" البلاد دينياً يوجّه رسالة واضحة مفادها أن الصراع على معنى "أمريكا" انتقل من الكونغرس وشاشات التلفزة إلى قلب الجغرافيا الرمزية للجمهورية نفسها.
في المقابل، من المرجح أن يثير هذا الحدث المرتقب انتقادات واسعة من المدافعين عن العلمانية الصارمة، ومن منظمات حقوقية ترى في خطاب "أمة واحدة تحت حكم الله" إقصاءً ضمنياً لملايين المواطنين غير المتدينين، أو المنتمين إلى ديانات أخرى، أو المدافعين عن فصل صارم بين الكنيسة والدولة. كما ستستحضر المعارضة، بلا شك، النقاش القديم المتجدد حول ما إذا كان الرئيس يوظف الدين كأداة تعبئة سياسية وانتخابية، لا كقيمة روحية مشتركة.
مع ذلك، فإن مثل هذه المبادرات تجد صدى قوياً داخل أوساط تعتبر أن أمريكا تمرّ بـ"أزمة معنوية" قبل أن تكون أزمة اقتصادية أو سياسية: من تفكك الأسرة، إلى تفشي العنف والمخدرات، إلى ما يُقدَّم على أنه "تآكل للقيم التقليدية". بالنسبة لهؤلاء، فإن الدعوة إلى يوم وطني للصلاة و"إعادة التكريس" تبدو خطوة طبيعية في مسار استعادة "المكانة المركزية لله" في الحياة العامة، سواء أفضت إلى تغييرات سياسية ملموسة أم بقيت في إطار الرمزية التعبوية.
في الأوساط الإعلامية والدينية، سيُنظر إلى تجمع 17 ماي على أنه اختبار مزدوج: أولاً لمدى قدرة ترامب على حشد الشارع حول قضية ذات طابع ديني–رمزي أكثر منها اقتصادي–اجتماعي، وثانياً لمدى استعداد المؤسسات، من الكنائس إلى المنظمات المدنية، للانخراط في حدث قد يُنظر إليه كجسر بين التوبة الروحية والاستثمار السياسي. ومع اقتراب الموعد، ستتركز الأنظار على حجم المشاركة، وطبيعة الخطابات التي ستُلقى، وما إذا كان هذا اليوم سيُسجَّل في الذاكرة الأمريكية محطةً فارقة في مسار إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، أم مجرد حلقة جديدة في مسلسل الاستقطاب الذي لا ينتهي.