كانت ظاهرة الالتجاء إلى الإيمان عبر المنصات الرقمية من أبرز التحولات التي يعيشها الجيل الجديد. ففي عالم يتسارع فيه الإيقاع وتتبدل فيه أنماط المعرفة، يجد بعض الشباب أن تطبيقات مثل «تيك توك» و«يوتيوب» قادرة على فتح أبواب كانت ذات يوم حكرًا على الكنائس والمعابد والمساجد. بدأ كثير منهم رحلتهم مع التساؤل، بعيدًا عن الأطر التقليدية، ليتحول الفضاء الافتراضي إلى مساحة لاكتشاف الذات والروحانيات.
يُروى أن شابة باريسية أعادت صلتها بالدين بعدما وجدته حاضرًا في الوسائط التي تستخدمها يوميًا، فصارت تتلقى مقاطع تشرح النصوص المقدسة بطريقة بسيطة وعصرية. لم يكن الأمر مجرد اطلاع، بل شكّل لها تجربة إيمانية جديدة مختلفة عن تلك التي عرفتها في طفولتها.
>
> تجربة مماثلة عاشتها طالبة أخرى كانت ترى في الدين منظومة مغلقة، لكن خوارزميات المنصات قادتها شيئًا فشيئًا نحو محتوى ديني أكثر عمقًا. تحول التساؤل إلى يقين، والفضول إلى انتماء، وانتهى بها الأمر إلى اعتناق المسيحية ومشاركة طقوسها عبر مقاطع الفيديو والمنشورات الرقمية التي صارت تشكل شبكتها الاجتماعية الجديدة.
في نواحٍ أخرى من العالم، يعيش شبان مسلمون وبوذيون ومسيحيون التجربة نفسها، فيجدون في التطبيقات المخصصة للعبادة وسيلة للحفاظ على هويتهم وشعورهم بالانتماء. ترتبط الممارسات الدينية هنا بالهوية والثقافة بقدر ما تتصل بالإيمان، إذ تؤدي التقنية دور الجسر الذي يوصلهم بجماعاتهم الأصلية، خاصة في حالة المهاجرين والمنفيين.
بعضهم يختار الحوار مع الذكاء الاصطناعي بدل مخاطبة رجال الدين، بحثًا عن أجوبة شخصية ومعرفة روحية خالية من الوساطة البشرية. هذا التحول يعكس نزعة جديدة نحو الخصوصية الدينية، لكنها في الوقت نفسه تفتح فضاء عامًا مفتوحًا لنشر القيم والتجارب الروحية. فالدين، الذي بدا طويلاً محصورًا في مجال خاص، عاد إلى المشهد العام عبر الشاشات الصغيرة والخوارزميات.
المنصات لم تعد فقط أماكن للتسلية، بل صارت مختبرات للرموز والطقوس الجديدة. بعض المستخدمين يوثقون مشاركتهم في المناسبات الكنسية أو الإسلامية بالتصوير والمشاركة الفورية، بينما يستلهم آخرون الجوانب الجمالية من التراث الديني ليصنعوا «أساليب حياتية» تحمل روح القداسة دون أن ترتبط بممارسات فعلية للإيمان.
تتوسع الظاهرة لتشمل موسيقى دينية ومشاريع فنية وأزياء تحمل رموزًا مسيحية أو قرآنية، في وقت تسعى فيه المؤسسات الدينية إلى مرافقة هذا التحول بدل مقاومته. الفاتيكان، مثلًا، بدأ في تنظيم لقاءات خاصة بالمؤثرين الدينيين الذين يعتبرون أنفسهم مبشرين عبر الإنترنت، مستفيدين من الأدوات التقنية لتوسيع نطاق رسالتهم.
ومع هذا الحماس، يشير بعض المراقبين إلى الجانب المظلم للانبعاث الديني الرقمي، حيث تتحول بعض الحسابات إلى أدوات لتمرير خطابات سياسية محافظة أو متشددة تتخفى وراء الشعارات الروحية. وقد ظهر في أوروبا وأمريكا اتجاه سياسي جديد يوظف الرموز المسيحية في الخطاب القومي، مما يثير تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الإيمان والهوية السياسية.
ورغم هذا التداخل، يرى بعض الشباب أن بحثهم عن الإيمان لا علاقة له بالانتماء الحزبي، بل هو محاولة لاستعادة الأمل في عالم يرهقه الشك والقلق. يتحدث بعضهم عن فقدان اليقين في المستقبل، وعن شعور عام بعدم الاستقرار في العمل والعلاقات والحياة اليومية، مما يدفعهم إلى البحث عن معنى أعمق.
وسط هذه الفوضى الرقمية، يبدو أن الإيمان لم يختف، بل أعاد صياغة نفسه وفق لغة العصر، لغة الصور والمقاطع السريعة والتفاعل الفوري. فالقلب الذي كان يبحث عن الله في الصمت بات يجده في تدفق الضوء الأزرق للشاشات، حيث تتقاطع الروحانيات مع الخوارزميات، ويتحول الفضاء الافتراضي إلى ميدان جديد لمعركة الإيمان والمعنى.