في عام 2026 يتزامن الصوم الكبير لدى الكاثوليك مع شهر رمضان لدى المسلمين، ما يدفع كثيرين إلى وضع الممارستين في كفّتَي مقارنة واحدة. لكن تشابه الصوم والصلاة لا يكفي لفهم طبيعة كل زمن وروحه. من منظور لاهوتي وعيشي، ينهض كلّ منهما على منطق خاص بالزمن والعبادة والانخراط الجسدي، مع نقاط التماس في الجهد وضبط النفس وأثرهما الاجتماعي.
في التقليد المسيحي، يُفهَم الصوم الكبير كتدرّب روحي استعدادًا للفصح. هنا يتقدّم فعل التهيّؤ على العدّ نفسه: الرقم أربعون يحمل دلالته الرمزية المرتبطة بيسوع في البرية وبتيه بني إسرائيل، لكن جوهر المرحلة هو التوجّه نحو القيامة. لذلك تتلازم الصلاة والصوم والصدقة كتدبير يطهّر القلب ويعيد ترتيب الرغبات. هذا البعد التحضيري يميّز الصوم الكبير عن رمضان، إذ يُعاش رمضان شهرًا مقدّسًا في ذاته، نصّ عليه القرآن في سورة البقرة (183–187)، وفيه يجتمع الصوم نهارًا مع إفطارٍ احتفالي ليلًا وصلواتٍ وتلاوةٍ معمّقة للكتاب. في مجتمعات عربية كالمجتمع المصري يطبع الأسبوع الأول طابعًا عائليًا واضحًا، ثم يتسع المدار لاحقًا للقاءات الأصدقاء وموائد الشارع ومبادرات التكافل.
اختلاف المنطلق ينعكس على صورة العلاقة بالله. في التصور الإسلامي، يكتسب الصيام معناه الأول من كونه أمرًا إلهيًا وطاعةً لشرعٍ يتوسّط علاقة المسلم بربه. وله صلة وثيقة بالوحي إذ اقترن رمضان ببدء نزول القرآن، فتقوى فيه عبادة الليل والقيام وتلاوته جماعةً وفردًا. ويُفهَم الصيام بوصفه قربانًا رمزيًا وتهذيبًا يعيد الإيمان إلى المركز: الامتناع عن الطعام والشراب يوقظ حضور المعنى في الوعي والسلوك. أمّا في المسيحية، فالصوم وسيلة إفراغٍ وتهيئةٍ ليتّسع القلب لعطية الله التي تتجلّى في الفصح؛ ليس غاية مكتفية بذاتها بل طريق استقبال للنعمة وتحرّر من التعلّقات التي تشوّش المحبة.
على مستوى العيش اليومي، يتبدّى رمضان زمنًا حاضرًا في الجسد والبيت والحيّ. تستبق العائلات الاستهلال بتنظيم المواعيد والاستعداد للمائدة الأولى، وتترك الجوعة بصمتها الملموسة فيما يشتدّ الانتباه لأثر الكلمة والسلوك؛ فالصوم هنا لا يقتصر على الامتناع الحسي، بل يشمل صون اللسان والفكر ومجاهدة النفس والتوسّع في الصدقة. تتأكّد بهذه الممارسة هوية جماعية تُرى في المساجد والطرقات وعلى موائد الإفطار العامّة. كما تؤكد التجربة الصوفية بعدًا داخليًا رمضانيًا، يجعل التفريغ من الحضور المادي مدخلًا لتفرّغ القلب لذكر الله.
في المقابل، يميل الصوم الكبير إلى صيغة أكثر شخصية وتقديرًا ذاتيًا لمسارات الإمساك والانضباط. يختبر مؤمنون كُثُر نوعًا من المحاسبة الحميمة: ما الذي يعطّلني عن التوجّه إلى المسيح؟ قد يأخذ الإمساك أشكالًا لا تقتصر على الطعام، كقطع ترفٍ بعينه، تقليل الشاشات مساءً، أو اعتماد نسق صلوات يومي متواتر. الرموز الليتورجية تشتغل هنا بقوة تربوية: رماد الأربعاء، الصمت عن تراتيل الفرح، وإحساس المسيرة نحو أسبوع الآلام والقيامة. المهم أن يظلّ الجهد موضوعًا في إطار النعمة لا في منطق إنجازٍ ذاتيٍ يختزل الخلاص في الإرادة الفردية.
تترك الممارستان أثرًا اجتماعيًا متبادلاً أيضًا. حضور رمضان العامّ ووضوح علاماته شجّعا بعض الشبان المسيحيين على عيش الصوم الكبير بصورة أكثر ظهورًا وجماعية، عبر مسارات منضبطة ورفقات صغيرة للمساندة. وفي الاتجاه الآخر، ألهمت خبرات العطاء المسيحية نماذج من البذل خلال رمضان عند مسلمين رأوا في القرب إلى المحتاجين جزءًا لا يتجزأ من روح الشهر. هذا التثاقف العملي لا ينفي الفوارق العقدية والطقسية، لكنه يبرز مساحة مشتركة من الطموح الأخلاقي والبحث عن المعنى.
عام التزامن يتيح فرص لقاء أوسع بين جماعات محلية تنظّم موائد مشتركة وحوارات حيّة، بعيدًا عن التوفيق القسري بين العقائد. المهم الاعتراف بالاختلاف وحفظ الهوية، مع الإقرار بما يجمع من قيمة للتوجّه إلى المطلق: صومٌ يعيد ترتيب الوقت، وعبادةٌ تستدعي الجسد والعقل والمجتمع إلى ساحة واحدة.