مع حلول شهر رمضان المبارك، تستعيد المدن المصرية أحد أبرز رموزها التراثية التي ارتبطت بالوجدان الشعبي، حيث يعود الفانوس الرمضاني ليتصدر المشهد مجددا، حاملا معه عبق التاريخ ودفء الذكريات.
ويظل هذا الرمز الثقافي والاجتماعي حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية خلال الشهر الكريم، معبرا عن أصالة الطقوس الرمضانية وروح الألفة والفرح التي تجمع الأسر والمجتمع كله، ليظل الضوء المضيء للفانوس انعكاسا حيا للتراث واستمرارية العادات التي تنتقل من جيل الى جيل.
تقليد ضارب في التاريخ
يرتبط الفانوس في الذاكرة الجمعية المصرية بتاريخ ممتد يعود، بحسب عدد من المؤرخين، إلى العصر الفاطمي، حين كان الأهالي يخرجون ليلا حاملين المصابيح المضيئة لاستقبال الخليفة، في مشهد احتفالي يعكس روح الجماعة والفرح العام. ومع مرور الوقت، تحول هذا الطقس الليلي من مناسبة عابرة إلى تقليد راسخ، أصبح مرتبطا بشهر رمضان، وانتقل من جيل إلى آخر حتى استقر كأحد أبرز رموزه.
وفي هذا السياق، توضح الباحثة في علم الاجتماع فاطمة أحمد أبو الحسن أن الفانوس لم يؤد وظيفة الإضاءة فحسب، بل حمل دلالات اجتماعية وثقافية أعمق، إذ شكل رمزا للاحتفال الجماعي بقدوم الشهر الكريم، ومظهرا من مظاهر التلاحم بين أفراد المجتمع.
ومع تعاقب الأزمنة، تضيف السيدة أبو الحسن، اكتسب الفانوس بعدا هوياتيا، ليصبح جزءا لا يتجزا من الملامح الرمضانية الخاصة بالمجتمع المصري، وحاملا لذاكرة مشتركة تختزن معاني الفرح والانتماء والاستمرارية.
شهادات من قلب الحرفة
في قلب حي "الغورية" بالقاهرة التاريخية، حيث تتداخل رائحة النحاس بصوت المطارق الخفيفة، لا تزال ورشات صناعة الفوانيس التقليدية صامدة في وجه الزمن، شاهدة على حرفة توارثتها الأجيال.
هناك، يتحدث حسين عبد الله، الحرفي الذي قضى أكثر من أربعين عاما في هذه المهنة، عن علاقة خاصة تجمعه بالفانوس، تتجاوز حدود العمل إلى الانتماء والذاكرة.
يشير السيد حسين إلى أن الفوانيس التقليدية المصنوعة من "الصاج" أو "النحاس" لم تفقد مكانتها رغم انتشار الفوانيس البلاستيكية والكهربائية، فهي تحتفظ بجاذبيتها لدى زبائن يبحثون عن روح رمضان الأصيلة، حيث تمثل البساطة والدفء، وتعد هذه الحرفة بالنسبة له أكثر من وسيلة للرزق، فهي "عشرة عمر"، حسب تعبيره، تحمل في كل فانوس جزءا من تاريخ المكان وحكاياته المتراكمة عبر السنين.
الفانوس بعيون الأطفال
ولا يكتمل المشهد الرمضاني في مصر دون حضور الأطفال، الذين يظلون الفئة الأكثر ارتباطا بالفانوس، إذ يمنحهم هذا الرمز شعور خاص بالبهجة والانتماء لشهر الصيام.
فمع اقتراب آذان المغرب، تملأ أصواتهم الأزقة والشوارع وهم يحملون الفوانيس الملونة، يغنون ويرددون الأغاني الرمضانية، ليصبح الفانوس بالنسبة لهم أكثر من مجرد زينة، بل مفتاحا لعالم من الفرح واللعب والمشاركة الاجتماعية.
تروي الطفلة مريم، البالغة من العمر سبع سنوات، بابتسامة مشرقة على وجهها وهي تمسك بفانوسها الملون: "أحب رمضان عشان الفانوس، اطلع به مع أخويا وأصحابي ونغني في الشارع، ونحس أن رمضان دخل".
تعكس كلمات مريم العلاقة العفوية والبسيطة التي ينشئها الأطفال مع هذا التقليد، والتي تحمل في طياتها دفء الطفولة وروحانية الشهر الكريم.
بين الحداثة والحنين
ورغم التطور التكنولوجي اللافت، ودخول الفوانيس الإلكترونية المزينة بالشخصيات الكرتونية والأضواء المتحركة والموسيقى، ما زال الفانوس التقليدي يحتفظ بمكانة خاصة في قلوب كثيرين، بوصفه رمزا أصيلا لروح رمضان ودفئه.
وفي هذا السياق، تقول السيدة صباح علي، ربة بيت من "الجيزة"، أنها تحرص في كل عام على اقتناء فانوس تقليدي وتعليقه في أرجاء المنزل، معتبرة إياه بمثابة إعلان رمزي عن حلول رمضان. وتوضح أن هذا الطقس بات جزءا لا يتجزا من استعداداتها للشهر الفضيل، حتى وإن كان أبناؤها يميلون إلى الفوانيس الحديثة بأشكالها المعاصرة، مشيرة إلى أنها تحرص في الوقت ذاته على شراء فانوس لكل واحد منهم، حفاظا على هذا التقليد العائلي.
وتضيف صباح، بابتسامة تعبر عن سعادتها بالتجربة: "الجديد هذه السنة أنني قدمت فوانيس لصديقتين مغربيتين تعرفت عليهن مؤخرا، وأحببت أن أتشاطر معهن جزءا من ثقافتنا الرمضانية"، كما أن هذه اللفتة، تتابع، كانت مناسبة جميلة لتبادل العادات والتقاليد، خاصة مع تعرفي أكثر على الأجواء الرمضانية في المغرب، حيث تحضر طقوس خاصة ومظاهر احتفال مختلفة، تمتزج فيها الروحانية بالعادات الاجتماعية الأصيلة.
رمز اجتماعي واقتصاد موسمي
لا يقتصر الفانوس على كونه رمزا اجتماعيا مرتبطا بشهر رمضان فحسب، بل يتجاوز ذلك ليؤدي دورا اقتصاديا موسميا بالغ الأهمية. فمع اقتراب الشهر الكريم، تشهد الأسواق الشعبية حركة نشطة تعكس حيوية هذا الموروث، حيث تزدهر تجارة الفوانيس وتنتعش الصناعات اليدوية الصغيرة المرتبطة بها، مما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
ويشكل هذا النشاط مصدر رزق أساسي لآلاف الأسر التي تعتمد على هذا الموسم لتأمين دخلها، سواء من خلال التصنيع او البيع او التوزيع.
وفي هذا السياق، يشير أحد التجار في منطقة "السيدة زينب"، بالقاهرة، إلى أن الفانوس يمثل عنصرا محوريا في تجارة رمضان، مؤكدا أن الإقبال عليه يستمر عاما بعد عام رغم تغير الأشكال والتصاميم تبعا لاختلاف الاذواق. ويعكس هذا الاستمرار مكانة الفانوس كمنتج لا يفقد قيمته بمرور الزمن، بل يتجدد حضوره مع كل موسم، جامع بين البعد التراثي والعائد الاقتصادي.
ضوء يتجدد كل عام
ورغم التحولات العميقة التي تعرفها أنماط العيش، وتسارع وتيرة الحياة اليومية في المدن الكبرى، يظل الفانوس الرمضاني في مصر ضوءا يتجدد إشعاعه مع كل عام، حاضرا في الذاكرة الجماعية كجسر يربط بين الماضي والحاضر. فهو رمز قادر على الصمود أمام تغير الأزمنة، وعلى التكيف مع مستجدات الواقع، من دون أن يفقد جوهره أو دلالته العاطفية والثقافية.
ولا ينظر إلى الفانوس باعتباره مجرد قطعة للزينة تعلق في البيوت أو الشوارع خلال موسم بعينه، بل باعتباره تعبيرا حيا عن روح المجتمع في رمضان، حيث تتقاسم العائلات لحظات الفرح، وتستعاد الذكريات القديمة، وتنبعث مشاعر الألفة والتآزر. وفي هذا السياق، يتحول الضوء المنبعث من الفانوس إلى رمز للاستمرارية والأمل، مؤكدا أن القيم الرمضانية، بما تحمله من دفء وإنسانية، تظل أقوى من تغير الزمن، وقادرة على العبور من جيل إلى آخر.