أعلن الكرسي الرسولي أنّ البابا ليون الرابع عشر سيقوم في منتصف شهرأبريل المقبل بجولة أفريقية تمتد عشرة أيام، تستهل بمحطة في الجزائر قبل أن تشمل الكاميرون ودولة في إفريقيا الاستوائية، في أول زيارة يقوم بها حبر أعظم إلى الجزائر منذ قيام الدولة الحديثة، حيث يُعدّ الإسلام دينها الرسمي مع إقرار دستوري بحرية الممارسة الدينية ضمن ضوابط تنظيمية تحددها السلطات المختصة .
ومن المقرر أن يصل البابا إلى الجزائر يوم 13 أبريل، على أن تشمل الزيارة مدينتَي الجزائر العاصمة وعنابة بين 13 و15 من الشهر نفسه، في برنامج يدمج البعدين التاريخي والروحي بالرسالة السياسية والدينية التي يسعى الفاتيكان إلى إبرازها في القارة الأفريقية خلال هذه الجولة الجديدة للحبر الأعظم .
وتأتي هذه الخطوة استجابة لرغبة سبق أن عبّر عنها البابا في خطاب ألقاه في ديسمبر الماضي، حيث أبدى تمنّيه التوجّه إلى الجزائر بغية التعرف عن قرب على الأماكن المرتبطة بسيرة القديس أوغسطين، وفي الوقت ذاته تعزيز مسار الحوار وترسيخ أواصر العلاقات بين الجماعتين المسيحية والمسلمة في البلاد، في سياق يعتبره الفاتيكان مفتوحاً أمام مبادرات التقارب بين الأديان .
ويُعدّ القديس أوغسطين، المولود عام 354 والمتوفى عام 430 للميلاد، أحد أبرز الأسماء في التراث المسيحي والفلسفي، وقد نشأ في منطقة سوق أهراس الحالية في الشرق الجزائري، قبل أن يتولى رئاسة أسقفية هيبون التي تقابل جغرافياً مدينة عنابة المعاصرة، والتي ستشكّل إحدى المحطات الرمزية في برنامج زيارة البابا نظراً لما تمثله من امتداد تاريخي لمرحلة مبكرة من انتشار المسيحية في شمال أفريقيا .
وترتكز الزيارة الجزائرية على البعد المتعلق بالحوار بين الأديان، مع استحضار سياق مرور ما يقارب ثلاثة عقود على واقعة مقتل رهبان دير تبحرين التابع للرهبنة السيسترسية في تسعينيات القرن الماضي، وهي الحادثة التي وقعت خلال سنوات الحرب الأهلية وقُتل فيها عدد من الرهبان في دير يقع على بعد نحو ثمانين كيلومتراً جنوبي العاصمة، في قضية ما زالت تفاصيلها موضع نقاش رغم إعلان «الجماعة الإسلامية المسلحة» مسؤوليتها عنها آنذاك، قبل أن يُصار إلى إعلان تطويب هؤلاء الرهبان عام 2018 .
ويُفترض أن يشكّل هذا البعد التاريخي والألم الرمزي الذي تركته تلك الحادثة خلفيةً لرسائل المصالحة والتعايش التي يعمل الفاتيكان على إبرازها، في لحظة ترى فيها دوائر كنسية أنّ الإصغاء المتبادل بين المكوّنات الدينية في الجزائر يمكن أن يفتح مجالات أوسع لفهم متبادل يقلل من التوترات ويشجّع على قراءة أكثر هدوءاً للماضي القريب والبعيد على حد سواء .
وبعد الانتهاء من المحطة الجزائرية، سيتوجّه البابا ليون الرابع عشر إلى الكاميرون، حيث تشمل جولته هناك عدداً من المدن الكبرى، من بينها ياوندي ومدينة صناعية وتجارية أساسية إضافة إلى مدينة ثالثة تعتبر محوراً للحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، في برمجة لم يُعلن عن تفاصيلها الكاملة بعد ولكنها توصف بأنها مكثفة من حيث اللقاءات والرسائل المزمع توجيهها .
ثم ينتقل الحبر الأعظم إلى بلد آخر في إفريقيا الاستوائية، مع تحديد مدن عدّة ضمن مسار الزيارة، بينها العاصمة السياسية ومركز اقتصادي مهم ومدينة ثالثة تحمل بدورها رمزية خاصة في المشهد الوطني، على أن تتوزع الزيارة بين أواخر نيسان/أبريل وبداية أيار/مايو، وفق ما ورد في البيان المقتضب الصادر عن الفاتيكان .
ويستند اختيار هاتين الدولتين بعد الجزائر إلى قراءة كنسية للأوضاع السياسية والاجتماعية، إذ تواجه كل منهما احتجاجات شعبية وأزمات مؤسساتية عميقة، في وقت يشهد فيه المشهد الديني تحولات ملموسة سواء من حيث تنامي بعض الحركات الدينية أو من حيث تطور العلاقة بين السلطات الرسمية والجماعات المؤمنة، وهو ما ترى فيه دوائر الفاتيكان مناسبة لإطلاق نداءات مكررة إلى التهدئة والبحث عن صيغ وفاقية جديدة .
ويُنتظر أن تشكل هذه الجولة الأفريقية مناسبة لتسليط الضوء على موقع القارة في خريطة الاهتمامات الكاثوليكية، في ظل نمو ملحوظ لعدد المؤمنين في أفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب الإشارة إلى الدور الذي يمكن أن يضطلع به الحوار بين المسلمين والمسيحيين في بؤر النزاعات والتوترات، بما يضع الجزائر تحديداً في واجهة هذا المسار نظراً لموقعها الجغرافي وتراثها الديني المتعدد المستويات .