قانون عقوبات جديد في أفغانستان يشرعن عنفاً منزلياً موسعاً

أضيف بتاريخ 02/26/2026
عبر بيلد

أفادت تقارير صحفية وحقوقية بأن سلطات طالبان في أفغانستان أقرت أخيراً مدونة عقوبات جديدة تتيح للرجال ضرب زوجاتهم وأطفالهم ما لم يترتب على ذلك كسور ظاهرة في العظام أو جروح مفتوحة، في خطوة اعتُبرت تكريساً قانونياً لأشكال واسعة من العنف الأسري ضد النساء والفتيات. وتنص الوثيقة، التي يقدَّر عدد صفحاتها بنحو ستين صفحة والموزعة على المحاكم في مختلف الولايات، على أن هذا النوع من الاعتداءات يُعامل بوصفه عقوبة تعزيرية يحددها القاضي وفق تقديره، ولا يُدرج كجريمة قائمة بذاتها في قانون العقوبات. وقد وقع المدونة زعيم الحركة هبة الله أخوندزاده بصفته القائد الأعلى لما يسمى إمارة أفغانستان الإسلامية، وأرسلت إلى دوائر القضاء لتطبيقها فوراً.



توضح المواد الواردة في المدونة أن استخدام العنف من جانب الزوج بحق زوجته وأطفاله يصبح قابلاً للمساءلة فقط إذا خلّف إصابات توصف في النص بوصفها «جروحاً أو كدمات جسدية» يمكن إثباتها أمام القاضي، وأن الحد الأقصى للعقوبة في حال الإدانة لا يتجاوز خمسة عشر يوماً من السجن، الأمر الذي يرى فيه حقوقيون سقفاً منخفضاً للغاية يجعل الوصول إلى هذه العقوبة أمراً نادراً عملياً. كما لا تتضمن المدونة أحكاماً صريحة تجرّم أشكالاً أخرى من العنف مثل الإيذاء الجسدي غير الظاهر أو العنف النفسي أو الاعتداء الجنسي داخل إطار الأسرة، ما يترك مساحة واسعة لسلوكيات تعسفية غير قابلة للتجريم الفعلي.

إجراءات التقاضي المنصوص عليها في القانون الجديد تجعل عبء الإثبات بالكامل تقريباً على عاتق الضحية؛ إذ تشترط على المرأة التي تتعرض للضرب أن تمثل شخصياً أمام قاضٍ رجل لتعرض إصاباتها الجسدية، مع التزامها في الوقت نفسه بتغطية كامل جسدها بما في ذلك وجهها، فضلاً عن حضور وليّ أمر ذكر معها إلى المحكمة بصفته مرافقاً شرعياً. وغالباً ما يكون هذا المرافق هو نفسه الزوج المتهم بالاعتداء، ما يعني أن كثيراً من النساء يجدن أنفسهن مجبرات على مثول قضائي ضمن دائرة نفوذ الشخص الذي يُفترض أن يلاحق قانونياً. وقد نقل مستشار قانوني مقيم في كابول، في حديث لصحيفة بريطانية، أن هذه الصيغة الإجرائية جعلت، بحسب وصفه، إمكانية حصول النساء على أي شكل من أشكال العدالة في قضايا الاعتداء أمراً «بالغ الصعوبة» إلى حد الاستحالة العملية.

تشمل المدونة أيضاً أحكاماً تتعلق بحركة النساء وسعيهن إلى الاحتماء بأسرهن، إذ تنص إحدى المواد على إمكانية سجن المرأة المتزوجة مدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر إذا غادرت منزل الزوج إلى بيت أهلها من دون إذنه، حتى لو كان الهدف المعلن هو الهرب من عنف منزلي. كما تجيز الأحكام ذاتها معاقبة أقاربها الذين يوفرون لها المأوى بالعقوبة نفسها، ما يحد من قدرة الأسرة الممتدة على لعب دور الحماية التقليدي في حالات النزاع الأسري. ويُنظر إلى هذه الصياغات على أنها تضع النساء المعنفات أمام معادلة قانونية تجعل محاولة الفرار من العنف فعلاً مجرَّماً في ذاته.

وردت في شهادات قانونيين أفغان قصص فردية تعكس كيفية تطبيق الإطار الجديد عملياً، من بينها حالة امرأة تعرضت للضرب على يد عنصر من طالبان عندما زارت زوجها في أحد السجون، فلجأت إلى تقديم شكوى رسمية ضد الحارس. وبحسب رواية المستشارة القانونية التي تابعت الملف، قيل للمرأة إن النظر في الشكوى مشروط بحضور مرافق ذكر، هو الزوج نفسه الموقوف في السجن، الأمر الذي جعلها تصرخ في العلن بأن ما تواجهه من إجراءات أصعب عليها من الموت، في تعبير عن انسداد مسارات التظلم المتاحة أمام ضحايا الانتهاكات.

منظمات حقوقية محلية ودولية اعتبرت أن المدونة الجديدة ترسخ تصوراً قانونياً للزوجة يكاد يساويها بالمِلْك الخاص لزوجها، وتمنح الرجال سلطة تأديبية واسعة لا تقابلها آليات حماية فعالة. وأشارت تقارير حقوقية إلى أن القانون يأتي ضمن سياق تشريعي أوسع بعد عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، حيث أُقرّت عشرات المراسيم والقرارات التي قيدت تعليم النساء وعملهن وتنقلهن، وألغت عملياً قانون القضاء على العنف ضد المرأة الذي اعتمدته الحكومة السابقة عام 2009. وخلصت جهات تحقيق دولية إلى أن هذه القرارات تشكل جزءاً من سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية على أساس هيمنة الرجال وإقصاء النساء من المجال العام بمستويات مختلفة من القيود القانونية والإجرائية.

في التحليلات الصادرة عن هيئات أممية وخبراء قانونيين، يُنظر إلى المدونة الجديدة بوصفها حلقة إضافية في مسار تقويض منظومة حماية المرأة في أفغانستان، حيث تتقاطع أحكامها مع إجراءات أخرى مثل فرض المحرم على حركة النساء، ومنعهن من الوصول إلى التعليم الثانوي والجامعي، وقيود العمل في المنظمات غير الحكومية وقطاعات واسعة من سوق العمل. وتُطرح في هذا السياق تساؤلات حول آفاق المساءلة الدولية، في ظل حديث بعض الآليات الأممية عن وجود أسس لاعتبار ما تتعرض له النساء في أفغانستان شكلاً من أشكال الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي قد يرقى إلى جرائم دولية، بينما تظل قدرة الضحايا على سلوك مسارات التقاضي الداخلي شبه معدومة في ظل المنظومة الحالية.