أبرزت مداخلة السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، عمر زنيبر، خلال فعالية نظمت على هامش الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، ملامح ما وصفه بالنموذج التاريخي للمغرب في التعايش بين الأديان، وفي الانخراط في الحوار الديني ومكافحة جميع أشكال التمييز المرتبط بالمعتقد. استند السفير إلى التراث السياسي والدستوري للمملكة، وإلى مبادرات دبلوماسية ودينية حديثة، لتقديم صورة بلد يقدَّم رسميا كفضاء تعددي يتجاور فيه المسلمون واليهود والمسيحيون في إطار سلمي مستمر منذ قرون.
وفق العرض الذي قدّمه زنيبر، يقوم هذا التصور على تأكيد أنّ المغرب اعتبر على امتداد تاريخه أن التنوع الديني جزء من بنيته المجتمعية، وأنه عمل، على مستوى الخطاب الرسمي، على تحويل هذا المعطى إلى عنصر إيجابي ضمن سرديته الوطنية. وأشار في هذا السياق إلى أن العيش المشترك بين أتباع الأديان التوحيدية في الفضاء المغربي يُقدَّم كخبرة متراكمة أكثر منه خيارا ظرفيا، مع التركيز على أن مبدأ التسامح الديني يجد امتداداته في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وليس فقط في المجال التعبدي أو الرمزي.
المداخلة أعادت التذكير بالموقع المركزي للمؤسسة الملكية في هذا البناء، من خلال استحضار صفة الملك محمد السادس كـ«أمير للمؤمنين»، وما يرتبط بها من تأطير دستوري وشرعي لدور الحماية الروحية لجميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم. كما تم استحضار موقف الملك الراحل محمد الخامس إبان حقبة الحماية، ورفضه الإجراءات التمييزية التي استهدفت اليهود المغاربة في سياق الحرب العالمية الثانية، وهو الحدث الذي غالبا ما يُستدعى رسميا لترسيخ فكرة الاستمرارية بين الماضي والحاضر في التعامل مع الأقليات الدينية.
وعلى مستوى المبادرات المرجعية، توقّف السفير عند إعلان مراكش بشأن حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي الصادر سنة 2016، والذي دعا إلى ضمان هذه الحقوق استنادا إلى قراءة معاصرة للمرجعيات الإسلامية الأولى، وإلى بناء وعي مجتمعي واسع يُعطي للأقليات مكانة قانونية وأخلاقية واضحة داخل المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. كما أحال إلى «نداء القدس» الذي وقّعه الملك محمد السادس والبابا فرانسيس بالرباط سنة 2019، والذي كرّس القدس مدينة متعددة الأديان، وأرض لقاء ورمزاً للتعايش السلمي بين أتباع الديانات التوحيدية الثلاث، مع تأكيد بعدها الروحي ووحدتها وحرمتها.
في البعد متعدد الأطراف، عرض زنيبر مساهمة المغرب في صياغة مجموعة من القرارات الأممية داخل الجمعية العامة، تتعلق بالحوار بين الأديان ومقاومة خطاب الكراهية، من بينها قرارات أعلنت يوما دوليا لمكافحة هذا الخطاب، وأخرى شددت على تعزيز التسامح والحوار بين الثقافات والأديان كأدوات لمواجهة التطرف. كما ذكّر باستضافة المملكة لمسارات دولية مرجعية مثل خطة عمل الرباط المتعلقة بحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العرقية أو الدينية المحرضة على العداء أو التمييز أو العنف، وخطة عمل فاس للوقاية من التحريض على العنف المؤدي إلى جرائم وحشية، بما يضع المغرب في موقع البلد المضيف لصياغة أطر معيارية قائمة على مقاربة حقوقية لموضوع الكراهية الدينية.
وتضمّنت المداخلة اقتراحاً عملياً موجهاً إلى مجلس حقوق الإنسان يدعو إلى استكمال ما هو قائم بإنشاء آلية دولية مناسبة لجمع البيانات المتعلقة بحالات التمييز، وكراهية الأجانب، والعنصرية، وخطاب الكراهية، بغية بلورة مقاربة عملية وتوافقية لمكافحة هذه الظواهر باعتبارها عوامل مغذية للتوترات والهويات المتصارعة. في السياق ذاته، أُعلن عن تنظيم فعالية موازية يوم 12 مارس تحت عنوان «حماية حقوق الإنسان من خلال مكافحة خطابات الكراهية»، تجمع ممثلين عن ديانات مختلفة، وتُقدَّم باعتبارها مناسبة لبحث سبل ترجمة الالتزامات المعلنة في الوثائق والقرارات إلى إجراءات ملموسة قابلة للتتبع والتقييم على المستوى الميداني.