تُظهر المعطيات المفتوحة المتوافرة أن العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران تشكّل، في آن واحد، شبكة تقاطعات فكرية وسياسية ممتدة منذ عقود، ومصدراً لقلق ملحوظ لدى دول عربية، من بينها المغرب، التي تنظر بعين الريبة إلى أي تداخل بين الإسلام السياسي العابر للحدود والمشروع الإقليمي لطهران. ففي خضم التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، اختارت قيادة الجماعة، عبر بيان رسمي حمل توقيع صلاح عبد الحق، الدعوة إلى “تعزيز التعاون والتنسيق” مع طهران في مواجهة ما وصفته بـ“الاعتداء الإسرائيلي الأميركي”، بينما دعا قياديون إخوانيون في السودان إلى “نصرة إيران”، في استمرار لمنهج يقدّم الصراع مع واشنطن وحلفائها بوصفه أولوية تتقدّم على التباينات المذهبية.
هذا التموضع لا ينفصل عن جذور فكرية وتاريخية سبقت انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، حيث توثّق شهادات باحثين في شؤون التيارات الإسلامية، مثل ماهر فرغلي، أن جماعة الإخوان كانت من أوائل القوى السنية التي أبدت دعماً للثورة الإيرانية وأوفدت ممثلين للقاء روح الله الخميني بعيد نجاحها، في سياق تقارب حول فكرة إقامة نظام ذي مرجعية إسلامية. كما تشير كتابات متخصصة إلى أن علي خامنئي تولّى قبل الثورة ترجمة نصوص لسيد قطب إلى الفارسية، وأن هذه المؤلفات دارت داخل الأوساط الثورية في طهران، بما يعكس تداخلاً في الأطر المرجعية بين رموز مثل حسن البنا وأبو الأعلى المودودي والخميني حول مفهوم “العصبة المؤمنة” ومركزية الدولة العقائدية.
على المستوى السياسي، استثمر الطرفان هذه الأرضية الفكرية في مراحل مختلفة؛ إذ تعتبر دراسات عن “الإخوان وإيران” أن طهران احتضنت الجماعة وقدّمت لها أشكالاً متعدّدة من الدعم الفكري والمالي في فترات متفرقة، وبلغ التقارب ذروته خلال حكم محمد مرسي في مصر، حين تحدث المسؤول الإيراني السابق أمير حسين عبد اللهيان عن اتفاقيات وقّعت في القاهرة وزيارات متبادلة، بينها طلب وفد إخواني لقاء قاسم سليماني خلال زيارة إلى طهران. وتذهب روايات أخرى، مستندة إلى بيانات رسمية صادرة عن الجيش ووزارة الداخلية في مصر بين 2014 و2019، إلى حد الحديث عن ضبط أسلحة “إيرانية الصنع” لدى عناصر مرتبطة بالتنظيم، في سياق مواجهات خاضتها “اللجان النوعية” مع مؤسسات الدولة بعد إزاحة الإخوان عن السلطة.
في قراءة باحثين مختصين بقضايا الأمن الإقليمي، من قبيل عمرو فاروق، تبدو جماعة الإخوان ودولة الفقيه بمثابة وجهين لمشروع واحد للإسلام السياسي، سني وشيعي، يقوم على ثنائية “الخلافة والإمامة”، ويتداخل ميدانياً في ملفات تمتد من سوريا إلى العراق واليمن، وإن من خلال فصائل وقوى وسيطة. ومع أن فواز كاسب العنزي، المتخصص في الشؤون الاستراتيجية، يشير إلى غياب وثائق رسمية تثبت وجود اتفاق تنظيمي مباشر بين طهران والجماعة ضد دول الخليج، إلا أنه يلفت إلى تقاطعات واضحة ظهرت في أزمات عدة، حيث استفاد كل طرف من الآخر في استثمار القضية الفلسطينية والخطاب المناهض للسياسات الأميركية لتوسيع حضوره الإقليمي.
هذا البعد الإقليمي للعلاقة ينعكس مباشرة على مقاربات دول مثل المغرب، التي تطوّرت علاقتها مع إيران من التبادل الدبلوماسي إلى القطيعة المتكررة؛ فقد أقدمت الرباط على قطع العلاقات مع طهران عام 2009 بدعوى “محاولات نشر التشيع والتدخل في الشأن الديني”، ثم أعادت الخطوة عام 2018 باتهام إيران، عبر حزب الله، بدعم جبهة البوليساريو عسكرياً، وهو ما نفته طهران مراراً. وفي السياق الراهن، سارعت وزارة الخارجية المغربية إلى إدانة الهجمات الصاروخية الإيرانية الأخيرة على دول خليجية، مؤكدة “تضامناً تاماً” مع الرياض وأبوظبي وغيرها في ما تتخذه من خطوات “مشروعة” للرد، في انسجام مع موقع المغرب داخل محور إقليمي ينظر إلى إيران بوصفها فاعلاً مزعزعاً للاستقرار.
على المستوى الداخلي، يتقاطع هذا الموقف الرسمي مع نقاشات فكرية وسياسية مغربية تُعنى بتأثير الإسلام السياسي العابر للحدود على الأمن القومي. يذهب بعض الباحثين والكتاب إلى التحذير مما يصفونه بـ“أجندات إخوانية” تتجاوز الأطر الوطنية. ويرون في انحياز قيادات من الجماعة لإيران، كما في البيان الأخير، دليلاً على قابلية هذا التيار للتموضع في معسكرات خارجية تتعارض مع أولويات دول مثل المغرب والخليج. وتستعرض مقالات رأي مغربية نماذج لخطاب بعض الشخصيات ذات الخلفية الإخوانية في البلاد، معتبرة أن تأييدها لمواقف طهران أو تبريرها يتجاهل حساسية ملف التشيع وملف الصحراء، اللذين يمثلان محورين أساسيين في رؤية الدولة المغربية لتهديدات إيران.
في المقابل، لا تزال هناك داخل الفضاء الإسلامي العربي، بما في ذلك محيط الإخوان، أصوات تستحضر إرث “التقريب بين المذاهب” ومفهوم “وحدة الأمة” لتبرير التعاون مع إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، مستندة إلى سجل طهران في دعم فصائل فلسطينية مسلحة وإلى رمزية خطابها ضد الغرب. غير أن هذا المنظور يصطدم بواقع إقليمي معقّد، إذ أدت الحروب بالوكالة في سوريا والعراق واليمن، والانقسامات الطائفية الحادّة، إلى ترسيخ صورة إيران كقوة توسعية في الوعي العام لشرائح واسعة من الرأي العام العربي، ما يجعل أي تقارب معلن بين الإخوان وطهران سبباً إضافياً لتعميق الفجوة بين الجماعة ودول مركزية في النظام الإقليمي العربي، وبينها المغرب الذي يبني سياسته الخارجية والأمنية على تحالف وثيق مع الخليج وتحفّظ واضح تجاه المشروع الإيراني.