احتضن معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في الرباط أمسية رمضانية خُصِّصت بالكامل لتكريم القرآن الكريم وحَمَلَته. وذلك بمبادرة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية التي دأبت على تنظيم هذا الموعد سنويا في سياق العناية الرسمية المستمرة بكتاب الله وبمن يتفرغون لحفظه وتلاوته وتعليمه. وقد جرت هذه الأمسية، مساء الجمعة 7 فبراير 2026، في أجواء روحانية ميزتها تلاوات لمجموعة من القراء المغاربة المعروفين بإتقانهم للروايات المعمول بها في المملكة.
وشكلت المناسبة فرصة لإبراز المكانة التي يحتلها القرآن الكريم في الهوية الدينية والوطنية للمغرب. حيث سعى المنظمون إلى الربط بين تقاليد الحفظ العريقة وأدوات التكوين المعاصرة داخل مؤسسات التعليم العتيق والتقليدي. وتم خلالها تسليط الضوء على الدور الذي ينهض به المعهد في تخريج أئمة ومرشدين ومرشدات يتملكون ناصية العلوم الشرعية وعلوم القرآن، بما يسمح لهم بمواكبة تحولات المجتمع مع الحفاظ على المرجعية المذهبية المعتمدة.
وخلال كلمة ألقاها في حفل التكريم، أوضح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق أن الوزارة تعمل على تأطير وإعادة تأهيل الكتاتيب والمدارس القرآنية عبر تطوير مناهجها الدراسية، في صيغة تمزج بين الطرق التقليدية في التحفيظ والأساليب التربوية الحديثة. وبيّن أن هذا التوجه يراعي أوضاع الفئات الراغبة في حفظ القرآن، سواء من حيث توقيت الدراسة أو الوسائل البيداغوجية، بهدف توسيع دائرة الاستفادة وضمان جودة التكوين.
وأشار التوفيق إلى إعداد دليل مرجعي موجه للمؤسسات القرآنية من أجل توحيد التصور التربوي وتحسين مستوى الأداء في مجال التحفيظ والتعليم، مع إرساء صلة مؤسساتية مستمرة بين هذه الكتاتيب ومؤسسات التعليم التقليدي المعتمدة رسميًا. ويُنتظر أن يتيح هذا الإطار ضبط مسار التكوين في الحفظ والقراءات وضمان انسجامه مع باقي المكونات المنهاجية للتعليم الديني في المملكة.
وفي سياق تشجيع الحفظة وقراء القرآن، جرى التذكير باستمرار تنظيم جوائز قرآنية متعددة تحمل اسم الملك محمد السادس. من بين هذه الجوائز، الجائزة الوطنية في حفظ القرآن وتجويده وتلاوته، وجائزة الكتاتيب القرآنية في مختلف أصنافها، إضافة إلى جوائز وطنية ودولية أخرى موجهة للمتميزين في الحفظ والأداء. واعتُبر أن هذه الجوائز تسهم في تعزيز تقليد تنافسي بين القراء الشباب وتدعم حضور المدرسة المغربية في مسابقات عالمية متخصصة.
وتوقف الوزير عند ما وصفه بتواصل تألق القراء المغاربة في المحافل الدولية من خلال مشاركات بارزة في مسابقات عالمية للقرآن. الأمر الذي يعكس تراكما ملحوظا في مجالات الإتقان العلمي والأداء الصوتي لمدرسة التلاوة المغربية. وتُسجَّل هذه المشاركات ضمن مسار تسعى من خلاله المؤسسات الدينية المغربية إلى ترسيخ حضورها في الفضاء القرآني الدولي.
تم التوقف عند تطبيق “المصحف المحمدي” الذي طورته الوزارة استجابة لاتساع استخدام المنصات الإلكترونية والأجهزة الذكية في التعلم والقراءة. ويتيح هذا التطبيق تلاوة القرآن برواية ورش عن نافع من طريق الأزرق، مع ربط بالمصاحف المرتلة المعتبرة وبأهم التفاسير المغربية المعتمدة رسميا، إلى جانب خدمات تحليل نحوي وترجمة لمعاني الآيات إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، فضلا عن وظيفة “مساعد الحفظ” التي تمكّن المستخدم من تكرار الاستماع لآيات محددة.
وعلى مستوى التكريم الفردي، شهدت الأمسية الاحتفاء بعدد من الحفظة والباحثين والإعلاميين الذين برزت مساهماتهم في خدمة القرآن الكريم. فمن بين المكرمين القارئان الحافظان محمد زعات وفاطيحة بوالعيش، إلى جانب الصحفي خالد السقي عن برنامجه “الرسالة الخالدة” المخصص للقرآن الكريم، والباحث محمد الطبراني صاحب مؤلف في الدراسات القرآنية، والقارئ أيوب علا الحاصل على المرتبة الثالثة في جائزة كتارا الدولية لتلاوة القرآن، والقارئة فاطمة الزهراء أصفر المتوجة بالمرتبة الثانية في المسابقة الدولية بماليزيا، والطالب محمد بعزة الذي حاز أعلى معدل في معهد محمد السادس للقراءات والدراسات.
كما ضم حفل التكريم فئة من الحفظة من ذوي الإعاقة، حيث جرى الاحتفاء بكل من أيوب الماغاري ونجية الصالح تقديرا لجهودهما في حفظ القرآن رغم الصعوبات الخاصة التي يواجهانها. واختتمت الأمسية بتلاوة جماعية لخواتيم سور القرآن، شملت السور العشر الأخيرة، في مشهد جمع بين القراء والحضور في لحظة إنصات جماعي شكلت الخاتمة لهذا الموعد الروحي الرمضاني في العاصمة المغربية.