يروي الدكتور أحمد نعينع في حلقة من برنامج على القناة الأولى المصرية حكايته مع العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني مطلع التسعينيات، منطلقاً من تجربة قراءة قرآن الفجر في القاهرة التي أصبحت تُبث عبر التلفزيون مع بدء إرسال الفضائية المصرية في تلك الفترة. يشرح أنه في أحد أيام رمضان قرأ فجر ذلك اليوم من مسجد السيدة زينب مدة أطول من المعتاد، بعد تأخر الفيلم الذي كان يُبث قبل الانتقال إلى إذاعة الفجر. فامتدت التلاوة إلى نحو نصف ساعة على الهواء مباشرة، في وقت كان فيه فرق التوقيت يسمح لسكان المغرب بسماع القراءة أثناء تناول السحور.
يستعيد نعينع الأجواء الروحانية التي رافقت تلك التلاوة. ويقول إنه كان يعيش حالة من التجلي والشعور بالانفصال عن الكاميرا وعن المكان، ومركزاً فقط على إحساسه بالقرآن. ثم يتبين لاحقاً أن الملك الحسن الثاني كان يتابعها من المغرب في تلك اللحظات. بعد انتهاء البث وعودته إلى منزله للنوم، تلقى اتصالاً هاتفياً على الخط الأرضي، في زمن لم تكن فيه الهواتف المحمولة قد انتشرت بعد. المتصل عرف على نفسه بأنه وزير أوقاف الملك، موضحاً أن العاهل المغربي استمع إلى قراءته وأعجب بها، وأنه يدعوه للمشاركة في الدروس الحسنية في الرباط خلال رمضان.
يوضح أن الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، الذي أبلغه برغبة الملك في استضافته. ثم طلب منه إرسال جواز سفره إلى السفارة المغربية لاستخراج التأشيرة وتنسيق ترتيبات السفر. ويذكر أنه كان يستعد للسفر إلى لبنان للمشاركة في أمسية للقراءات السبع، إلى جانب قرّاء من بلدان عربية عدة. إلا أن الدعوة المغربية جاءت مرفقة بتذكرة سفر منظمة على خط القاهرة – بيروت – باريس – الدار البيضاء، مع استمرار برنامج سفره إلى لبنان قبل الالتحاق بالدروس الحسنية في المملكة.
خلال الرحلة، يلتقي في الطائرة وزير الأوقاف المصري آنذاك أحمد أبو النور. ويخبره بنقطة يراها ذات دلالة رمزية في علاقته بالمغرب. إذ يؤكد أن جذوره العائلية تعود إلى مدينة مكناس، وأن أحد أجداده قدم مع أسرته إلى مصر عبر طريق الحج واستقر في إحدى قرى دلتا النيل. لتتوزع فروع العائلة لاحقاً على عدد من المناطق، مع ارتباط اسم «نعينع» بأرض كانوا يزرعون فيها النعناع. يشير إلى أن هذه الخلفية جرى تذكير الجانب المغربي بها خلال الزيارة، بما أضفى بعداً إضافياً على الاستقبال الذي حظي به في الرباط.
عند وصوله إلى المغرب، يصف نعينع تفاصيل التنظيم المحيط بالدروس الحسنية. حيث يُنقل الضيوف والعلماء إلى مقار إقامتهم بسيارات مخصصة من القصر الملكي، مع توزيع واضح للأدوار والمرافقات. ويشرح أن هذه الدروس تُقام يومياً بعد صلاة العشاء والتراويح في بهو القصر الملكي في الرباط، في قاعة تطل مباشرة على موضع العرش، حيث يجلس الملك. بينما يتوزع العلماء المدعوون وكبار مسؤولي الدولة والسفراء في مقاعد محددة، ويتولى القرّاء التلاوة في بداية الجلسة لنحو 25 دقيقة قبل إفساح المجال للمحاضر الرئيسي الذي يلقي درساً يستمر قرابة أربعين دقيقة.
يتوقف نعينع عند لحظة تعريفه بالملك الحسن الثاني في إحدى الجلسات. حيث قدمه عبد الكبير العلوي المدغري بوصفه القارئ الذي تلا من مسجد السيدة زينب في تلك الليلة التي أثارت إعجاب العاهل المغربي. مضيفاً أيضاً معلومة نسبه إلى مدينة مكناس. وينقل ما دار من عبارات بين الملك ووزيره أثناء اللقاء. حيث علق الحسن الثاني على مسألة النسب بوصفها نوعاً من صلة الرحم. في إشارة إلى العلاقة الرمزية بين جذور القارئ المصري والبيئة المغربية التي جاء منها أجداده.
لاحقاً، يذكر نعينع أنه واصل القراءة في الدروس الحسنية على مدى نحو خمسة أيام، قبل أن يعلن الملك رفعها في اليوم العشرين من رمضان استعداداً لليلة القدر. وعندما همّ الضيوف بالمغادرة، دعاهم العاهل المغربي إلى البقاء لإحياء ليلة السابع والعشرين، وطلب من وزير الأوقاف أن يرسل نعينع إلى مكناس وفاس ليتعرف بشكل مباشر إلى أصول عائلته، في رحلة نظمت على شكل موكب رسمي شهد استقبالاً وذبائح على مداخل القرى، على أن تُستكمل تفاصيلها في حلقة لاحقة من السلسلة التي يقدمها القارئ المصري.