نداء البابا لوقف قصف إيران وحماية استقرار لبنان

أضيف بتاريخ 03/09/2026
دار سُبْحة

دعا البابا ليون الرابع عشر، خلال تلاوته صلاة التبشير الملائكي في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، المؤمنين إلى صلاة جماعية من أجل أن «يتوقف هدير القنابل وتصمت الأسلحة وتتفتح فسحة للحوار يُسمع فيها صوت الشعوب»، في إشارة مباشرة إلى الحرب الدائرة في إيران ومحيطها الإقليمي. وجاء هذا النداء الجديد بعدما تكاثرت التقارير عن اتساع رقعة العمليات العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من سقوط ضحايا وتزايد منسوب الخوف وعدم اليقين في عدد من بلدان الشرق الأوسط .



وأوضح البابا، الذي يُعد أول حبر أعظم من الولايات المتحدة، أنّ الأخبار الواردة من إيران وسائر منطقة الشرق الأوسط «مقلقة على نحو عميق»، متحدثاً عن «حالات عنف ودمار ومناخ واسع من الكراهية والخوف»، ومحذّراً في الوقت نفسه من خطر امتداد النزاع إلى دول أخرى في المنطقة، وبينها «لبنان الحبيب» الذي يخشى أن يعود مجدداً إلى حالة من عدم الاستقرار. وربط البابا بين المعاناة المباشرة لسكان مناطق القتال وبين ما وصفه بالمسؤولية الأخلاقية الواقعة على عاتق الأطراف المعنية، داعياً إلى كبح «دوامة العنف» قبل أن تتحول إلى «هاوية لا يمكن تداركها» وفق ما نقلته تحليلات كنسية متطابقة.

النداء الأخير يأتي استمراراً لسلسلة مواقف أطلقها البابا منذ اندلاع الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في مطلع مارس، حين قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين والدينيين في الضربة الأولى، ما مهّد لمرحلة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي في المنطقة. وتشير تقديرات نقلتها وسائل إعلام كاثوليكية ودولية إلى أن عدد القتلى في إيران تجاوز الألف وثلاثمئة شخص حتى 7 مارس، بينهم عشرات التلاميذ في مدرسة ابتدائية أصابها القصف في اليوم الأول من الحرب، في حين سُجّلت أيضاً خسائر بشرية في إسرائيل ولبنان ودول خليجية عدة نتيجة الضربات المتبادلة أو الهجمات المتفرعة عن النزاع الرئيسي.

وفي ما يخص لبنان، استعاد البابا زيارته السابقة للبلاد ليؤكد قلقه من أن تؤدي العمليات الجارية إلى تقويض ما تبقى من توازن هش هناك، في ظل إعلان السلطات الإسرائيلية سعيها إلى «القضاء» على جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران، وإصدار أوامر بإجلاء مئات آلاف السكان من جنوب لبنان ومناطق في جنوب بيروت. كما نقلت تقارير رسمية لبنانية عن تسجيل ما يقرب من 454 ألف نازح داخلياً حتى 7 مارس، إضافة إلى عشرات القتلى ومئات الجرحى، بينما تتخوف الأوساط الكنسية من تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في بلد يرزح أصلاً تحت أزمات متراكمة.

خطاب البابا في ساحة القديس بطرس تزامن مع موقف دبلوماسي للفاتيكان انتقد صراحة مبدأ «الحرب الوقائية» الذي استندت إليه تبريرات الضربات على إيران، معتبراً أن هذا النوع من العمليات يضعف المرجعية القانونية الدولية ويقوّض منظومة الأمن الجماعي. وأوضح المسؤول الدبلوماسي الأول في الكرسي الرسولي أن الدول لا تملك «حق شن حروب وقائية» وفق الصيغة المتداولة، في إشارة إلى أن المقاربة المطروحة لا تتوافق مع المبادئ التي دافعت عنها الكرسي الرسولي.

وتقاطع نداء البابا مع تغطيات إعلامية مختلفة أبرزت تزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى نزاع أوسع نطاقاً، في ضوء تسجيل إصابات وقتلى في دول مثل الكويت والإمارات والعراق والبحرين وسلطنة عمان، إلى جانب إصابات في قطر والأردن، نتيجة تداعيات المواجهة الأساسية أو الضربات المتقاطعة بين الأطراف المتحاربة. وتقرأ أوساط كنسية هذه المعطيات على أنها مؤشر إلى «إقليمية» النزاع وتمدد آثاره الإنسانية والأمنية إلى دول لم تكن في صلب المواجهة العسكرية المباشرة، ما يعزز الحاجة، من وجهة نظر الفاتيكان، إلى قنوات حوار تنخرط فيها أطراف إقليمية ودولية قادرة على التأثير في مسار التصعيد.

ورغم أن النداءات البابوية السابقة لم تُترجم إلى تبدّل واضح في خيارات العواصم الرئيسية المنخرطة في الحرب، يواصل الفاتيكان استخدام المنابر الروحية والدبلوماسية للدفع نحو وقف القصف وفتح نافذة تفاوض سياسي، في مسار يهدف إلى تخفيف المعاناة عن السكان المدنيين أكثر مما يراهن على تغيير سريع في موازين القوى. وفي هذا السياق، يشكّل تكرار الدعوة إلى إسكات الأسلحة وإتاحة المجال لـ«صوت الشعوب» جزءاً من محاولة لإبراز البعد الإنساني للنزاع في مواجهة الحسابات العسكرية والاستراتيجية التي تهيمن حالياً على مشهد الحرب في إيران والشرق الأوسط.