إيران. احتفالات «چهارشنبه‌سوري» بين تراث النار وغضب الشارع

أضيف بتاريخ 03/18/2026
دار سُبْحة


​يُعدّ «چهارشنبه‌سوري» من أقدم الأعياد الفارسية ذات الجذور الزرادشتية، ويُقام عشية آخر أربعاء من السنة الشمسية الإيرانية، حيث تتجمع الحشود حول النيران وتؤدي طقس القفز فوق اللهب طلباً للتطهر من المرض وسوء الطالع مع استقبال النوروز، رأس السنة الفارسية الجديدة، في تقليد يمتد قروناً قبل قيام الدولة الإسلامية في إيران الحديثة. وتتعامل السلطات الدينية منذ قيام الجمهورية الإسلامية مع هذا الطقس الشعبي بوصفه بقايا من تراث ما قبل الإسلام لا ينسجم مع رؤيتها العقائدية، ما أكسبه مع الزمن بعداً إضافياً يتجاوز وظيفته الاحتفالية البحتة.


>

خلال السنوات الأخيرة تحول هذا العيد إلى موعد متكرر للتعبير الاحتجاجي، مع استغلال المواطنين طبيعة المناسبة القائمة على التجمع الليلي في الأحياء والساحات وبين الأبنية السكنية لإطلاق شعارات سياسية، أو بث أناشيد وطنية، أو كتابة عبارات مناهضة للسلطة على الجدران، في امتداد واضح لموجات الغضب التي شهدتها البلاد منذ احتجاجات 2019 مروراً بحركة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022 وما تلاها. وفي كثير من المدن الإيرانية باتت مشاهد النيران الصغيرة والألعاب النارية، التي كانت رمزاً لتوديع الشتاء، تتداخل مع صور شبان يخفون وجوههم ويركضون بين الأزقة، أو يلوّحون بالأعلام ويرددون الهتافات ضد الأجهزة الأمنية.

هذا المنحى التصاعدي دفع المؤسسات الأمنية والاستخبارية إلى التعاطي مع ليلة «چهارشنبه‌سوري» باعتبارها محطة أمنية حساسة، إذ تصدر قبيلها عادة تحذيرات إلى المواطنين من «إساءة استخدام» المناسبة، مع التلويح بإجراءات صارمة بحق من يشارك في تجمعات غير مرخصة أو يعمد إلى إغلاق الطرقات وإشعال الإطارات. وفي طهران وغيرها من المراكز الكبرى تسجَّل سنوياً تعزيزات لعناصر الشرطة وقوات «الباسيج» في الميادين الرئيسية والطرق المؤدية إلى أحياء معروفة بنبضها الاحتجاجي، كما تُستخدم كاميرات المراقبة وطائرات مسيرة لرصد تحركات التجمعات الليلية.

العام الجاري اكتسبت الليلة دلالة إضافية مع استمرار التوتر الداخلي والوضع الإقليمي المتشابك، إذ خرج آلاف الإيرانيين في أحياء عدة من العاصمة ومدن أخرى لإحياء المهرجان رغم رسائل نصية رسمية حذرت من إشعال النيران والألعاب النارية، بحجة المخاطر الأمنية والحوادث المحتملة. ورغم هذه القيود، أظهرت تسجيلات مصورة من مناطق مثل «تشيتغَر» في طهران حشوداً تقف حول النيران وتردد أهازيج، قبل أن يُسمع إطلاق نار متقطع مع تقدّم القوات باتجاه التجمع، ما أدى إلى تفرّق الحاضرين في الأزقة المجاورة.

وسائل إعلام معارضة ومنصات إيرانية ناطقة بالإنجليزية تحدثت عن احتفالات في عدد من المدن تجاوزت بعدها الاحتفالي إلى فعل رمزي، عبر إحراق صور وشعارات تعود إلى رموز الحكم، ورفع لافتات تدعو إلى تغيير سياسي جذري، في مشهد يربط بين نار الطقس القديم ونار الغضب السياسي المعاصر. وتحدثت تقارير من منظمات قريبة من المعارضة عن «عمليات رمزية» نفذتها مجموعات شبابية في طهران وكرج ومشهد وشيراز وغيرها، استهدفت مراكز مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو عبارات دعائية رسمية، مع الحرص على تصوير تلك الأفعال ونشرها عبر المنصات الرقمية فور توافر اتصال بالشبكات.

في المقابل، تسعى السلطات إلى احتواء هذا التداخل بين الاحتفال والترحيل السياسي عبر تشجيع إحياء «چهارشنبه‌سوري» في فضاءات مغلقة أو تحت رعاية مؤسسات رسمية أو دينية، بما في ذلك الدعوة إلى إقامة الفعاليات داخل المساجد أو المراكز الثقافية، وتقديم سردية دينية تحاول إعادة تفسير الطقس في إطار قيم دينية عامة أو تحذيرات من «البدع». لكن هذه المقاربة لا تبدو كافية لوقف تحول المناسبة إلى لحظة سنوية يختبر فيها المجتمع الإيراني قدرته على استعادة المجال العام لساعات قليلة، مستفيداً من رصيد تاريخي لعيد نارٍ سابق على الإسلام، اكتسب في العقود الأخيرة معنى إضافياً بوصفه تعبيراً دورياً عن الاحتقان السياسي والاجتماعي في البلاد.