يوافق يوم 14 مارس في بعض التقاويم المرجعية الدينية والثقافية ذكرى بيساخي (أو فيساخي)، وهي مناسبة مرتبطة في الذاكرة السيخية بتأسيس «الخالصا»، أي جماعة المؤمنين المنضبطين بطقس التعميد والالتزام بالشعائر، على يد المعلم العاشر للسيخ، غورو غوبند سينغ، سنة 1699. ترتبط هذه الذكرى زمنياً عادة بيوم 13 أو 14 أبريل في التقويم الميلادي، لكنها تُستعاد في الأدبيات والروزنامات الدينية كمحطة مفصلية في تاريخ تشكّل الجماعة السيخية ككيان ديني واجتماعي مميز.
نشأت بيساخي في الأصل كعيد زراعي في منطقة البنجاب، يوافق موسم حصاد القمح وبداية السنة الزراعية الجديدة، وهو ما يفسر حضور رموز الحقول والحصاد في الاحتفالات الشعبية حتى اليوم. لكن منذ أواخر القرن السابع عشر اكتسبت المناسبة بعداً دينياً حاسماً لدى السيخ، إذ تحوّل هذا اليوم إلى موعد سنوي لاستحضار لحظة تأسيس الخالصا وما رافقها من إعادة تعريف للعلاقة بين الفرد والجماعة والسلطة الروحية. في تلك المرحلة كان السيخ يتعرّضون للضغط من السلطة المغولية، وقد قُتل المعلم التاسع غورو تيغ بهادور سنة 1675، فبدا تأسيس الخالصا في بيساخي 1699 استجابة دينية وسياسية في آن، هدفها تنظيم الجماعة وتقوية قدرتها على الصمود.
في هذا السياق أعلن غورو غوبند سينغ تأسيس الخالصا في احتفال بيساخي أمام أتباعه، ووضع ملامح هوية جديدة للمنتمين إلى هذا السلك، تقوم على طقس «الأمريت» (التعميد) وعلى التزام صارم بقواعد السلوك واللباس، بما في ذلك ما يُعرف بـ«الخمسة كافات» (الكيش، الكارا، الكانغا، الكتشيرا، الكيربان) كعلامات مميِّزة للمؤمن السيخي المكرَّس. منح هذا التأسيس بعداً جماعياً منظماً للسيخ، ورسّخ فكرة الجماعة المؤمنة التي تتحمّل مسؤولية الدفاع عن المظلومين ومقاومة الاضطهاد الديني. في الأدبيات الحديثة، يُنظر إلى الخالصا بوصفها لحظة تبلور للسلطة الجماعية داخل الديانة السيخية، بحيث لم تعد المرجعية مقتصرة على شخصية المعلم بل انتقلت أيضاً إلى الجماعة المنظَّمة وأدبياتها المقدسة.
في الممارسة الشعائرية المعاصرة، يحمل يوم بيساخي بعداً احتفالياً وروحياً في آن واحد؛ إذ يتوجّه المؤمنون إلى الغوردوارا (المعبد السيخي) للمشاركة في تلاوة النصوص المقدسة، وتناول الوجبات الجماعية المفتوحة المعروفة باللانغر، والمشاركة في المواكب التي تجوب الشوارع حاملة الأعلام وأقوال المعلمين، في ما يُعرف بالـ«ناغر كيرتن». يكتسب تغيير العلم الذي يرفرف فوق كل معبد سيخي في هذا اليوم معنى تجديد العهد وتحديث الرمز، حيث يُستبدَل «نيشَان صاحب» بآخر جديد، في إشارة إلى استمرار الجماعة وتمسّكها بقيم العدالة والمساواة والخدمة العامة. في بلدان الانتشار، بما فيها أوروبا وأمريكا الشمالية، تحولت هذه المواكب إلى مناسبة للتعريف بالهوية السيخية وبفكرة التعايش بين الأديان داخل الفضاء العام.
رغم أن بيساخي تُدرَج أحياناً في جداول المناسبات على تواريخ مختلفة تبعاً للمنطقة أو لطريقة ضبط التقويم، فإن ثباتها في الوعي الديني السيخي يعود إلى مضمونها أكثر من تاريخها الدقيق: فهي ترمز إلى ولادة جماعة منضبطة حول ميثاق روحي وأخلاقي، وتذكّر بأن الهويّة الدينية يمكن أن تتخذ أشكالاً مؤسساتية واضحة في لحظات التوتر التاريخي. كما تمنح هذه المناسبة فرصة لإعادة قراءة العلاقة بين التقويم الزراعي والتقويم الديني، حيث يستمر تقاطع الحصاد المادي مع فكرة التجدد الروحي. بالنسبة إلى الصحافة المتخصصة في الشؤون الدينية، يتيح هذا اليوم مقاربة أوسع لمسألة تحوّل الأعياد الزراعية إلى رموز مؤسسة لهويات دينية، وللدور الذي يلعبه الزمن الاحتفالي في تثبيت الذاكرة الجماعية.