شهدت الجالية اليهودية المغربية في العاصمة الأمريكية واشنطن تنظيم احتفال موسع بعيد الميمونة، في أمسية حضرها عدد من أفراد الجالية ودبلوماسيون ومسؤولون أمريكيون، في تأكيد على استمرار حضور هذه المناسبة التراثية في الفضاءين المغربي والأمريكي معا. وقد أحييت المناسبة في أجواء اجتماعية احتفائية، جمعت بين أجيال مختلفة من أصل مغربي، حرصت على استحضار طقوس متوارثة تعود إلى قرون داخل المجتمع المغربي بمكونيه اليهودي والمسلم.
جرى تنظيم هذا الموعد من قبل سفارة المملكة المغربية في واشنطن بشراكة مع جمعية “سيفارديك هيريتاج إنترناشيونال دي سي”، في فضاء المركز اليهودي “إدلافيتش دي سي”، حيث التقت شخصيات من الإدارة الأمريكية وأعضاء في السلك الدبلوماسي وممثلون عن عالم الأعمال مع أفراد من الجالية اليهودية المغربية المقيمة في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحضور المتنوع تحويل الاحتفال إلى مساحة تلاقت فيها الرسالة الثقافية مع البعد الدبلوماسي، في امتداد طبيعي للدور الذي اضطلع به المكون اليهودي في الهوية المغربية الحديثة.
خلال هذه الأمسية، جرى التذكير بأن الميمونة، التي تأتي مباشرة بعد انتهاء الاحتفال بعيد الفصح اليهودي، تعد إحدى العلامات البارزة في الذاكرة الشعبية المغربية، حيث اعتاد الجيران والأسر في مدن عديدة فتح بيوتهم واستقبال الضيوف حول موائد عامرة بما تجود به الحلويات التقليدية والمنتجات المحلية. وتم التأكيد على أن هذا التقليد ظل يشكل مناسبة للتلاقي بين الأسر المسلمة واليهودية في أحياء متعددة، ضمن نمط عيش رسخ لعقود طويلة ثقافة التعايش والتقارب اليومي بين المجموعات الدينية داخل الفضاء المغربي.l
الكلمة التي ألقاها السفير المغربي في واشنطن توقفت عند البعد الرمزي لهذه المناسبة، مبرزا أن الميمونة تتجاوز كونها احتفالا اجتماعيا لتجسد لحظة تذكير بروابط تاريخية تجمع بين المغاربة على اختلاف معتقداتهم، سواء داخل البلاد أو في بلدان الهجرة. كما أشار إلى أن تخليد هذه المناسبة في قلب العاصمة الأمريكية يعبر عن استمرارية علاقة خاصة بين الجالية اليهودية ذات الأصول المغربية ووطنها الأم، من خلال الحفاظ على طقوس موروثة ولغة متداولة وذاكرة مشتركة.
ارتبطت دورة هذا العام من الميمونة في واشنطن بتزامن ذي دلالة دبلوماسية، إذ توافقت مع تخليد مرور مئتين وخمسين عاما على إقامة العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، في إشارة إلى المعاهدة التي تعد من أقدم الاتفاقيات المستمرة في تاريخ الولايات المتحدة. وأضفى هذا التزامن بعدا إضافيا على الاحتفال، حيث بدا الحدث الثقافي جزءا من مسار طويل من التفاعلات السياسية والاقتصادية والإنسانية بين البلدين، شارك فيه مكون الجالية بدور ملموس على امتداد أجيال متعاقبة.
وتخللت الأمسية فقرات فنية قدمتها الفنانة اليهودية المغربية نيطع الكيام، التي استحضرت تراث الغناء المغربي بروافده الأندلسية والشعبية، أمام جمهور ضم أمريكيين من خلفيات متعددة إلى جانب أبناء الجالية. كما عُرضت تشكيلة من الحلويات والأطباق المغربية الخاصة بالميمونة، مما أتاح للحاضرين اكتشاف جانب من الثقافة الغذائية المرتبطة بهذه المناسبة، في امتداد لدور المطبخ المغربي كأحد حوامل الذاكرة المشتركة بين اليهود والمسلمين في المغرب.
وحرص المنظمون على تقديم شروح للحضور الأمريكي حول خصوصيات المكون اليهودي في التاريخ الاجتماعي المغربي، من خلال الإشارة إلى مسارات عيش عديدة تشكلت في مدن وقرى متعددة، وإلى استمرار حضور المعابد والمقابر والمزارات في مناطق مختلفة من البلاد. واعتُبر هذا الاحتفال مناسبة لاستعادة سرديات يومية عن جيران وأصدقاء وأحياء مختلطة، نقلها أفراد من الجيل الأول والثاني من المهاجرين، بما يسمح بإبراز صورة مغايرة للمشهد الديني في المنطقة لدى جزء من الرأي العام الأمريكي.