أهلاً بكم في عدد جديد من «نشرة سُبْحة»، نشرة الأخبار الدينية والروحية من المغرب والعالم، نتابع فيها تقاطعات الدين مع المجتمع والسياسة والحقوق والحروب، مع حرص على مقاربة هادئة، دقيقة ومحترمة لجميع التقاليد.
إثيوبيا: المؤسسات الدينية تعبّئ تبرعات لدعم ضحايا كارثة غامو
أدّت الانهيارات الأرضية في منطقة غامو بجنوب إثيوبيا إلى حصيلة ثقيلة تجاوزت مئتي قتيل مع احتمال ارتفاعها إلى نحو 500 ضحية، وفق تقديرات وكالات إنسانية تابعة للأمم المتحدة التي تحذر من حجم المأساة في منطقة وعرة وصعبة الوصول. في هذا السياق، أعلنت مؤسسات دينية إثيوبية عن تخصيص مليوني بر إثيوبي لمساندة الأسر المتضررة من الكارثة، في مبادرة تعبّر عن الدور الاجتماعي المتنامي للفاعلين الدينيين في إدارة الأزمات.
البرلمان الإثيوبي بدوره أعلن حداداً وطنياً لثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام في البلاد وبعثاتها الدبلوماسية، تأكيداً على رمزية الحدث في الوعي الوطني. المساعدات التي بدأت تصل إلى المنطقة تشمل مواد أساسية وإيواءً مؤقتاً، بينما تعمل السلطات المحلية على تحديد المناطق الأكثر عرضة لانهيارات جديدة وإعادة توطين السكان في أماكن أكثر أماناً، في عملية تتقاطع فيها اعتبارات الإغاثة الفورية مع نقاش أطول حول العدالة المناخية ومسؤولية الدولة والفاعلين الدينيين عن حماية الفئات الهشّة. بالنسبة لصحافة الشأن الديني، تفتح هذه الأزمة أسئلة حول كيفيّة توثيق مساهمة الكنائس والمساجد والمؤسسات الروحية في شبكات التضامن المدني في إفريقيا القرن الحادي والعشرين.
فاس تستقبل ملتقيات الجامعة الأورومتوسطية: الدبلوماسية الروحية في مدينة العلم والزاويا
تحتضن مدينة فاس، بما تحمله من إرث روحي وعلمي من جامعة القرويين إلى الزوايا الصوفية الكبرى، ملتقيات الجامعة الأورومتوسطية، في تقاطع واضح بين الدبلوماسية الأكاديمية والدبلوماسية الروحية. يندرج هذا الحدث في دينامية مغربية أوسع لتثبيت صورة المملكة كوسيط للحوار بين ضفتي المتوسط، وبين الفضاءين الأوروبي والمتوسطي الإسلامي، مع توظيف رأس المال الرمزي لفاس كمدينة عتيقة ذات إشعاع ديني عالمي.
الموضوعات المنتظر تداولها في هذه الملتقيات تتراوح غالباً بين قضايا الشباب والهجرة والانتقال الطاقي، وبين أسئلة الهوية والعيش المشترك، بحيث يصبح الدين خلفية ثقافية حاضرة في النقاش حتى عندما يكون الموضوع اقتصادياً أو بيئياً. بالنسبة لصحفي يشتغل على تقاطعات الدين والسياسة الخارجية، يشكّل هذا اللقاء فرصة لرصد كيف تستثمر الجامعة الأورومتوسطية بفاس خطاب التسامح والحوار الديني في صياغة سردية مغربية جديدة عن «الإسلام الوسطي» في الفضاء الأورومتوسطي.
المغرب: جدل تعديل قانون «مدونة الأسرة» والأدوار الدينية في النقاش العمومي
المقال يتناول النقاش المحتدم حول مراجعة مدونة الأسرة (قانون الأسرة) وتقاطعاته مع المرجعية الدينية والخطاب الحقوقي في المغرب. هذا السجال عادة ما يضع المؤسسة الملكية، بوصف الملك أميراً للمؤمنين، في موقع المرجع الديني الأعلى، في مقابل تعددية أصوات فقهية وحقوقية ومدنية تطالب بتوسيع هامش المساواة بين الجنسين وضبط قضايا مثل الطلاق والحضانة والزواج المبكر.
إن الخلفية المعروفة للنقاش الدائر منذ إعلان الملك مراجعة المدونة تبرز كيف يُستَخدم الدليل الشرعي والمرجعية الفقهية في الاتجاهين: المحافظ والإصلاحي، مع استدعاء مقاصد الشريعة والعدالة الاجتماعية في آن واحد. بالنسبة لـ«نشرة سُبْحة»، يمثل هذا الملف نموذجاً مغربياً لكيفية اشتغال «الإسلام الرسمي» إلى جانب فاعلين دينيين وحقوقيين مستقلين في إعادة تأويل النص القانوني في ضوء تحولات المجتمع.
الجزائر: زيارة البابا لاوون الرابع عشر بين إرث القديس أوغسطينوس وأسئلة الحريات الدينية
يستعد البابا لاوون الرابع عشر للقيام بأول زيارة لحبر أعظم إلى الجزائر بين 13 و15 أبريل، في رحلة تجمع بين الذاكرة المسيحية الممثّلة في شخصية القديس أوغسطينوس وواقع «جزائر اليوم» ذات الغالبية المسلمة.[AFPA 0825] رئيس أساقفة الجزائر الكاردينال جان بول فيسكو أوضح أن جزءاً من الزيارة يتم على «خطى القديس أوغسطينوس»، خصوصاً في عنابة (هيبون القديمة)، حيث كان أوغسطين أسقفاً، لكنه شدد على أن البابا يأتي أيضاً «للقاء الشعب» في بلد يعيش فيه مسيحيون قلّة العدد لكنهم متجذرون تاريخياً.
الكاردينال فيسكو، الفرنسي المولد والحاصل على الجنسية الجزائرية منذ 2023، وصف البابا بأنه «أخ يأتي لزيارة إخوته»، مؤكداً أن أول خطاب علني سيُلقيه من مقام الشهيد في أعالي العاصمة قبل لقاء كبار المسؤولين في مركز المؤتمرات بجامع الجزائر الكبير، في مشهد رمزي يجمع بين ذاكرة الشهداء الوطنيين ورمز ديني إسلامي بارز.لافتاً إلى أنه يفضّل عدم استعمال تعبير «الحوار الإسلامي‑المسيحي»، لأن «الأديان لا تتحاور، بل الأشخاص هم من يتحاورون»، مقترحاً بدل ذلك التركيز على العيش المشترك والاحترام المتبادل وبناء المشاريع المشتركة.
زيارة بلا أجندة فرنسية رسمية… لكن تحت أعين المنظمات الحقوقية
فيسكو نفى وجود رابط بين زيارة البابا إلى الجزائر والزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الفاتيكان في 9 و10 أبريل، معتبراً أن ربط الأجندتين يعكس «فهما خاطئاً» ورؤية فرنسية متمركزة حول ذاتها، في حين أن نظرة البابا «عالمية» وغير محصورة بالعلاقات الثنائية.في المقابل، كشف أنه يزور الصحافي الرياضي الفرنسي‑الجزائري كريستوف غليز، المحكوم في الجزائر بسبع سنوات بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، لتقديم دعم روحي، مشيداً بقدرته على تجاوز المحنة من دون ضغينة.
من جهة أخرى، وجّهت ثلاث منظمات حقوقية دولية («يورو‑ميد رايتس»، «هيومن رايتس ووتش»، «مينا رايتس غروب») رسالة مشتركة تطلب من البابا أن يثير مع السلطات الجزائرية قضايا الحرية الدينية وحقوق الإنسان خلال زيارته.دعت الرسالة إلى إنهاء التمييز القانوني والإداري ضد الأقليات الدينية، بما فيها المسيحيون المنتمون إلى «الكنيسة البروتستانتية في الجزائر» والمسلمون الأحمديون، وإلى احترام حرية الدين والمعتقد، ورفع المنع التعسفي من السفر، وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية ممارسة حقوقهم في التعبير والتجمع السلمي.
الذاكرة الكاثوليكية لـ«العشرية السوداء
ضمن برنامج الزيارة، يفترض أن يصلي البابا على انفراد في كنيسة «شهداء الجزائر» التي تضم ذكرى 19 من الكهنة والراهبات الكاثوليك الذين قُتلوا خلال «العشرية السوداء» (1992‑2002)، من بينهم رهبان تبحيرين الذين ما زالت ملابسات اختطافهم وقتلهم عام 1996 غير محسومة.فيسكو ذكّر بأن الكنيسة الكاثوليكية في تلك الفترة كانت تتكوّن أساساً من أجانب اختاروا البقاء رغم المخاطر، معتبراً أن الأهم بالنسبة إليه ليس «الحوار بين الأديان» بقدر ما هو القدرة على «تقاسم الأفراح والأحزان» بين الجزائريين والمقيمين أيّاً كانت أديانهم.
تشكّل هذه الزيارة لحظة كثيفة الرموز: بابا قادم من رهبنة أوغسطينية له زيارات سابقة إلى الجزائر، يضع في الوقت نفسه ذاكرة أوغسطينوس وشهداء العشرية السوداء في قلب أجندة تُراقَب حقوقياً بسبب وضع الحريات الدينية وملف المهاجرين واللاجئين، كما نبّهت المنظمات التي طلبت منه أيضاً تناول قضايا التنميط العنصري والطرد الجماعي للمهاجرين في الجزائر.
نقاش فكري في أوروبا: «ليس باسمنا»… حدود التوظيف الديني في العنف المعاصر
مقال الرأي المنشور في صحيفة «La Libre» تحت عنوان «Not in my name: de l’imposture au djihad masqué» يستعيد شعار «ليس باسمي» الذي استُخدم في السنوات الأخيرة لرفض ربط الإسلام بعمليات العنف أو الإرهاب، لكنه يحاول الدفع بالنقاش خطوة أبعد، عبر مساءلة أشكال «الجهاد المقنّع» التي قد تتسلل إلى الفضاء العام تحت أغطية أخرى. يمكن قراءة هذا النص، في سياق أوروبي متوتر حول الهويات الدينية، كجزء من جدل أوسع حول من يملك حق الكلام باسم الإسلام أو المسيحية أو اليهودية في المجال العمومي، وما إذا كان الشعار يكفي لعزل التأويلات العنيفة للدين أم ينبغي فتح نقاش فكري ولاهوتي أعمق.
بالنسبة لصحافة الشأن الديني، يقدم هذا المقال مادة مثيرة لمسائل الهوية التمثيلية: من يمثّل «المسلمين» في أوروبا؟ وكيف يُستخدم خطاب «Not in my name» في صناعة مسافة رمزية مع العنف، وفي الوقت ذاته في إعادة ترتيب علاقة الأقليات المسلمة بالمؤسسات الغربية، بما فيها الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والهيئات اليهودية؟
تصاعد التوتر الإقليمي: كنيس يهودي مدمّر في طهران وتحذير أميركي بشأن الحج
تدمير كنيس «رافي نيا» في طهران
أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن كنيس «رافي نيا» اليهودي الواقع قرب ساحة فلسطين وسط طهران دُمّر بالكامل جراء غارات نسبت إلى هجوم أميركي‑إسرائيلي على العاصمة الإيرانية. الجيش الإسرائيلي أكّد لوكالة فرانس برس أنه استهدف «قيادياً عسكرياً كبيراً» داخل «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، معرباً عن أسفه للأضرار الجانبية التي لحقت بالكنيس، ومشيراً إلى استخدام ذخائر دقيقة ومراقبة جوية لتقليل المخاطر على المدنيين.
السلطات الإيرانية من جهتها اتهمت إسرائيل بتدمير كنيس يعود عمره لنحو سبعين عاماً، معتبرة أن الهجوم وقع «تحت ذريعة خاطئة تمثل اليهودية»، في حين تحدثت تقارير عن أضرار جسيمة في المباني السكنية المجاورة وعمليات إنقاذ مستمرة لانتشال العالقين تحت الأنقاض. هذه الحادثة تعيد إلى الواجهة مفارقة أن اليهودية ديانة معترف بها رسمياً في إيران، مع وجود تمثيل للجالية اليهودية في البرلمان، رغم أن عدد اليهود تقلص بشدة منذ ثورة 1979، وهو ما يمنح الخبر بعداً رمزياً كبيراً على مستوى صورة حماية أماكن العبادة في زمن الحرب.
تحذير أميركي بشأن المشاركة في الحج هذا العام
في ظل تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وتوتر العلاقة بين إسرائيل وإيران، أصدرت السفارة الأميركية في الرياض تنبيهاً ينصح المواطنين الأميركيين بـ«إعادة النظر» في المشاركة في موسم الحج هذا العام، نظراً للوضع الأمني والاضطرابات في السفر المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة.رغم أن التحذير لا يصل حد المنع الرسمي، فإنه يعكس مستوى القلق داخل الدبلوماسية الأميركية من احتمال توسّع رقعة التوتر أو تأثيرها على أمن التجمعات الدينية الكبرى مثل الحج.
هذا التنبيه يفتح أيضاً على نقاش أوسع: كيف تؤثر الحروب الإقليمية على ممارسة الشعائر الدينية العابرة للحدود، مثل الحج أو زيارة العتبات المقدسة، وكيف تتعامل الدول المستقبِلة والحكومات المرسِلة مع مسؤوليتها عن أمن الحجاج؟ بالنسبة للصحافة المتخصصة في الشأن الديني، يشكّل هذا التطور زاوية مهمة لرصد التداخل بين «إدارة الأمن» و«إدارة الشعائر» في السياسات السعودية والدبلوماسية الغربية.
رقم اليوم
257
هو عدد القتلى الذين أحصتهم وكالة إنسانية تابعة للأمم المتحدة حتى الآن في الانهيار الأرضي جنوب إثيوبيا، مع احتمال ارتفاع الحصيلة إلى نحو 500 ضحية وفق التقديرات الحالية، ما يبرز حجم الكارثة الإنسانية التي استدعت تعبئة الدولة والمؤسسات الدينية معاً.
بورتريه اليوم
الكاردينال جان بول فيسكو
وُلد فيسكو في مدينة ليون الفرنسية سنة 1962، وهو رئيس أساقفة الجزائر وحامل للجنسية الجزائرية منذ 2023، وأحد أبرز الوجوه الكاثوليكية المنخرطة في العيش المشترك في بلد ذي أغلبية مسلمة.يعيش في الجزائر منذ أكثر من عشرين عاماً، ويقدّم نفسه كراعٍ لكنيسة صغيرة العدد لكنها متجذرة، ويصرّ على اعتبار البابا «أخاً يأتي لزيارة إخوته» وعلى أن الأهم هو تقاسم الأفراح والأحزان بين الجزائريين والمقيمين أيّاً كانت أديانهم. مواقفه الرافضة لتسييس زيارة البابا وربطها بالأجندة الفرنسية، وكذلك انخراطه في مواكبة ملف الصحافي كريستوف غليز روحياً، تجعله شخصية محورية لفهم أبعاد زيارة لاوون الرابع عشر إلى الجزائر بين الذاكرة الأوغسطينية الراسخة ورهانات الحريات الدينية المعاصرة.
شكراً لقراءتكم هذا العدد من «نشرة سُبْحة». نلتقي في عدد قادم لنواصل متابعة أخبار الأديان والروحانيات من المغرب والعالم، برؤية صحفية هادئة تحترم تنوع المعتقدات وتطرح الأسئلة الصعبة دون أحكام مسبقة. هل تفضّل أن نوسّع في الأعداد القادمة التغطية المغاربية أكثر، أم التركيز على البعد الدولي؟