هذا العدد من «نشرة سُبْحة» يركّز على ثلاثة ملفات دينية–سياسية ساخنة: جولة البابا لاوون الرابع عشر في الكاميرون وإفريقيا، توتر جديد في بولندا حول إسرائيل والذاكرة النازية، واستئناف حج الغريبة في تونس، إضافة إلى تداعيات حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على البابا داخل الساحة الأميركية. أهلاً بكم في قراءة هادئة، نقدية ومحايدة لأخبار الدين في عالم مضطرب.
1) قانون يادن ومعاداة السامية بين القانون والسياسة في فرنسا
يقترح قانون يادن سدّ فراغ قانوني ضد «الأشكال المتجددة» لمعاداة السامية، خصوصاً ربطه بالدعوات إلى «تدمير دولة إسرائيل» والخطاب المتصل بالحرب في غزة والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. لكن النص يثير انقساماً حاداً بين من يراه حماية ضرورية لليهود في فرنسا، ومن يخشى أن يؤدي عملياً إلى تجريم أشكال من معاداة الصهيونية أو النقد الراديكالي لإسرائيل، وبالتالي المساس بحرية التعبير.
جيروم غودج: يسار ممزق بين الذاكرة ومكافحة العنصرية
النائب الاشتراكي جيروم غودج يدافع عن القانون ضد جزء من اليسار، معتبراً أن مكافحة العنصرية تحوّلت إلى «تجاور لنضالات ضحية–ذاكرية» متنازعة، ما يعقّد بناء جبهة موحَّدة ضد معاداة السامية والعنصرية. يرى أن النقاش حول اليهود ومعاداة السامية يُختزل أحياناً إلى تصفية حسابات سياسية داخل المعسكر التقدمي نفسه، بين «يسار جمهوري» و«يسار حركاتي» أكثر التصاقاً بالشارع وبقضية فلسطين.
جلسة برلمانية «مروّعة» حول معاداة السامية
النواب الفرنسيون يستعدون لنقاش متوتر للغاية في الجمعية الوطنية، وسط اتهامات متبادلة باستغلال معاداة السامية سياسياً، على خلفية التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين والتوترات في الجامعات والفضاء الرقمي. يصبح كل تعديل في النص مادة اشتباك بين الحكومة، اليسار الراديكالي، واليمين، في مشهد يعكس مدى تداخل ملف حماية اليهود مع صراعات الهوية والذاكرة والاستقطاب حول حرب غزة.vaticannews
فرنسا الأبية تحوّل القانون إلى معركة رمزية
«فرنسا الأبية» جعلت من قانون يادن معركة سياسية مركزية، مع عريضة تجاوزت 700 ألف توقيع، للتنديد بما تعتبره محاولة لـ«تجريم معارضة سياسات إسرائيل». رغم عدم فرضها تماماً جدول الأعمال، ترى قيادات الحزب أنها «كسبت ميزان القوى الرمزي» بنقل النقاش من تقنية قانونية إلى جدل واسع حول فلسطين وحرية التعبير.
La Croix تسائل صراحة: هل يؤدي تجريم الدعوة إلى «تدمير إسرائيل» إلى تجريم «اللاسّيونيّة» ككل؟ حقوقيون يفرّقون بين معاداة السامية (كره اليهود) واللاسّيونيّة (رفض المشروع الصهيوني)، ويحذرون من الخلط الذي قد يدفع أصواتاً شبابية وعربية/مسلمة إلى مزيد من التطرف بدلاً من إدماجها في نقاش ديمقراطي.
«وهم الرقابة» في مواجهة الكراهية
بيغي ساستر ترى أن تشديد الرقابة القانونية لم يُثبت فعاليته تاريخياً في القضاء على معاداة السامية، بل قد يغذّي شعور «الاضطهاد» لدى الأوساط المتطرفة، ويزيد من جاذبية خطابهم. تدعو إلى التركيز على التربية، والثقافة، والشفافية في النقاش العام، مع حماية قوية لحرية التعبير حتى حين يكون الخطاب صادماً.
2) بولندا، إسرائيل، والذاكرة النازية
كونراد بيركوفيتش، من حزب «كونفدراتسيا» اليميني المتطرف، اتهم إسرائيل بارتكاب «إبادة جماعية» في الشرق الأوسط واستخدام قنابل فوسفورية، ولوّح في البرلمان بعلم إسرائيلي استبدلت فيه نجمة داود بالصليب المعقوف. رئيس مجلس النواب ندّد بعرض رمز نازي في برلمان بلد يحمل ذاكرة معسكرات الإبادة، فيما اعتبرت السفارة الإسرائيلية والسفير الأميركي ما حدث «عاراً» و«تدنيساً» للعلم الإسرائيلي.
3) تونس: حج الغريبة بين الأمن والتعايش
يُستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة في جزيرة جربة بين 30 نيسان/أبريل و6 أيار/مايو، بعد عامين من نسخ محدودة بسبب التوترات الإقليمية والوضع الأمني. رئيس اللجنة، بيريز طرابلسي، أكد أن الموسم سيكون «مفتوحاً للجميع» تونسيين وأجانب، مع حصر الأنشطة داخل الكنيس، في سياق حذر بعد هجمات 2002 و2023 التي استهدفت الموقع وأسفرت عن قتلى.
الغريبة، أقدم كنيس في إفريقيا، يرمز لذاكرة تعايش يهودي–تونسي تمتد قروناً، في بلد تراجع فيه عدد اليهود من أكثر من 100 ألف قبل الاستقلال إلى نحو 1500 اليوم، معظمهم في جربة. الحج يجذب آلاف الزوار من أوروبا والولايات المتحدة، ويستثمره الخطاب الرسمي لتأكيد صورة «تونس أرض التسامح»، رغم هشاشة الوضع في ظل توترات غزة والإقليم.
4) الكاميرون: زيارة بابوية بين الفساد والنزاع الانفصالي
خلال زيارته إلى ياوندي، وجّه البابا ليون الرابع عشر خطاباً غير معهود في حدّته أمام الرئيس بول بيا (93 عاماً)، داعياً إلى «فحص ضمير» و«كسر قيود الفساد» ووقف إساءة استخدام السلطة. جاءت الرسالة في بلد يحتل المرتبة 142 من أصل 182 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، ويحكمه بول بيا منذ 1982، في ظل اتهامات المعارضة له بإهدار المال العام وسفرات خاصة مكلفة.
قراءة كنسية: الفساد كعائق للسلام
La Croix تربط بين دعوة البابا لمكافحة الفساد وبناء السلام الأهلي، مشيرة إلى تأكيده على أن «الأمن أولوية، ولكن يجب ممارسته في إطار احترام حقوق الإنسان» وعلى دور المجتمع المدني في «نسيج السلام الاجتماعي». الكنيسة، التي تدير شبكة كبيرة من المستشفيات والمدارس والمنظمات الخيرية في بلد يشكل الكاثوليك فيه حوالي 37% من السكان (نحو 30 مليون نسمة)، تسعى إلى ترسيخ نفوذها كفاعل اجتماعي وسياسي ناعم في قلب أزمة النزاع الانفصالي.
هدنة انفصاليين واستقبال شعبي
في ياوندي، تجمّع آلاف المؤمنين على طريق المطار ملوّحين بأعلام الكاميرون والفاتيكان، فيما أعلن الانفصاليون في الشمال الغربي هدنة لثلاثة أيام لتأمين زيارة البابا إلى بامندا، المدينة المتأثرة بنزاع انفصالي منذ 2017 أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 6000 شخص ونزوح مئات الآلاف، وفق تقديرات أممية. من المقرّر أن يترأس البابا قداساً في بامندا وآخر في دوالا، في محطة يُعوَّل عليها كرَمزية قوية لإعادة فتح ملف الحوار بين الحكومة والجماعات الانفصالية.
رغم الضجة العالمية حول خلافه مع ترامب، يواصل البابا جولته الإفريقية (الجزائر، الكاميرون، أنغولا، غينيا الاستوائية) مع رهان كنسي على تعزيز الحوار في مناطق النزاع الإفريقية، والعمل على مصالحة بين السلطة والمجتمعات المتضررة.
5) ترامب–البابا: صدام ديني–سياسي متعدد المستويات
الانتقادات الحادة التي وجّهها ترامب للبابا ليون الرابع عشر، بسبب مواقفه من حرب إيران والهجرة والتدخل في فنزويلا، وضعت «الرئيس–المؤمن» في مواجهة رأس الكنيسة الكاثوليكية التي ينتمي إليها قسم مهم من قاعدته الانتخابية. ترامب وصف البابا بأنه «ضعيف في ملف الجريمة» و«سيئ جداً في السياسة الخارجية»، وزعم أن انتخابه جاء لأنه أميركي يشكّل «حلقة وصل» مع البيت الأبيض، ثم نشر صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تظهره كالمسيح، قبل حذفها.
ردود فعل مسيحية محافظة – من أساقفة كاثوليك وشخصيات يمينية – اعتبرت خطاب ترامب «شريراً» و«استهزاءً بالله»، محذّرة من خطورة تهديد «إبادة حضارة بأكملها» في إيران واستخدام رموز مقدسة لأغراض سياسية. مع ذلك، يدافع نائب الرئيس جاي دي فانس عن ترامب، داعياً الفاتيكان إلى التركيز على «الأخلاق» وترك السياسة الخارجية للرئيس، في انقسام واضح داخل اليمين الديني الأميركي.
سبادارو: البابا يفكك «آلية جعل الحرب ممكنة»
الأب أنطونيو سبادارو يقرأ هذا الصدام كصراع بين لاهوت سياسي يميل إلى تطبيع الحرب كخيار مشروع، ورؤية بابوية تحاول «تفكيك» الآليات التي تجعل الحرب «ممكنة، مقبولة، ثم حتمية» في المخيلة العامة. البابا، في هذا التصور، يمثل صوت «مسافة نقدية» عن القوى المتحاربة، يسعى لإبطاء اندفاع العالم نحو منطق الإبادة، مقابل استخدام ترامب للغة «الإفناء» والحسم العدمي.
تحليل ألماني يقدّم ترامب كشخص يخلط بين الهوية السياسية والرمزية الدينية، من ترويجه لإنجيل يحمل اسمه إلى تصوير نفسه كمنقذ إلهي بعد محاولة اغتيال 2024. في المقابل، يُبرز البابا ليون الرابع عشر الردّ القائم على التواضع الإنجيلي، ما قد يُعيد رسم خطوط الانتماء داخل القاعدة الدينية المحافظة بين قومية ذات نزعة دينية، وكاثوليكية أكثر نقداً لمشروع الحرب.
في إيطاليا، انتقدت جورجيا ميلوني تصريحات ترامب بحق البابا، محاولةً التمايز عن خطابه المتشدّد تجاه الفاتيكان، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات جيدة مع واشنطن. هذا التوتر يكشف حساسية موقع الفاتيكان في توازنات اليمين الأوروبي، الذي يحتاج إلى دعم القاعدة الكاثوليكية من دون قطيعة مع الولايات المتحدة الترامبية.
رقم اليوم
700 000 – عدد الموقّعين تقريباً على العريضة الرافضة لقانون يادن في فرنسا، ما يحوّل نصاً حول «مكافحة معاداة السامية» إلى اختبار كبير لعلاقة الدولة الفرنسية بحرية التعبير، وبالتعبئة الرقمية حول فلسطين.
شكراً لمرافقتكم لنا في هذا العدد من «نشرة سُبْحة». نلتقي في العدد القادم مع رصد جديد لعلاقة الدين بعالم السياسة والثقافة في المغرب والعالم، مع استمرار الالتزام بلغة هادئة، محترمة، ومبنية على مصادر موثوقة. ما الموضوع الديني أو الروحي العالمي الذي تودّون أن نمنحه أولوية في الأعداد المقبلة؟