السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
مرحباً بكم في عدد جديد من «نشرة سُبْحة»، نرافقكم فيه في جولة عبر العالم لرصد تقاطعات الدين مع السياسة والذكاء الاصطناعي وحرية المعتقد والتحولات القيمية لدى الأجيال الصاعدة، مع وقفة خاصة عند قضايا العنف باسم الدين وحماية دور العبادة.
جلد علني في آتشيه الإندونيسية يثير الجدل حول الشريعة وحقوق الإنسان
تشهد مقاطعة آتشيه في إندونيسيا، وهي الإقليم الوحيد الذي يطبق الشريعة الإسلامية رسمياً في البلاد منذ حصوله على حكم ذاتي خاص سنة 2001، استمراراً في تطبيق عقوبة الجلد العلني في قضايا «العلاقة خارج إطار الزواج» وأفعال تعتبر «مخالفة أخلاقية» كالاختلاط وتناول الكحول. في هذا السياق، تلقى رجلان وامرأتان حُكم عليهم بعلاقة جنسية خارج الزواج مئة جلدة أمام حشود في متنزه عام في باندا آتشيه، بينما جُلد خمسة أشخاص آخرين بين تسع وثلاث وعشرين جلدة لاتهامات تشمل الاختلاط وشرب الكحول. تعكس هذه الممارسات التوتر بين سيادة القوانين المحلية المستندة إلى الشريعة وبين المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تعتبر الجلد العلني عقوبة قاسية ومهينة، في حين تحظى العقوبة نفسها بتأييد ملحوظ داخل جزء من السكان المحليين بوصفها أداة «لحماية الأخلاق العامة».
مسلمو سان دييغو بين الصدمة والغضب بعد هجوم على مسجدهم
في سان دييغو بالولايات المتحدة حالة صدمة عميقة بعد هجوم مسلح على مسجد ومركز إسلامي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص بينهم حارس أمن وولي أمر يعمل زوجاً لمُدرِّسة بالمركز، بعد أن هرع لحماية الأطفال عند سماع إطلاق النار. تتعامل الشرطة مع الحادث باعتباره اعتداءً معادياً للإسلام، نفذه مراهقان يبلغان 17 و18 عاماً، ويُشتبه في تأثرهما بخطابات كراهية على الإنترنت قبل أن يُعثَر عليهما ميتين في ما يبدو أنه انتحار. شهادات الجيران وأعضاء الجالية تشير إلى شعور سابق بالأمان وثقة في العلاقات بين الأديان، خصوصاً أن الإمام كان يشارك بانتظام في صلوات مشتركة مع قسيسة بروتستانتية محلية، ما يجعل الصدمة مضاعفة. يحمّل الإمام جزءاً من المسؤولية لـ«نقص التثقيف» حول الإسلام ولخطابات سياسية تنزع الإنسانية عن المسلمين والأقليات، بينما تَصِف إحدى الجارات ما حدث بأنه نتاج «جهل محض» تغذّيه خوارزميات منصات مثل تيك توك وريدِت، وهو ما يفتح سؤالاً واسعاً حول دور المنصات الرقمية في صناعة التطرف الديني والمعاداة للدين.
قراءة فكرية مغربية: لا شيء يمنع التفكير الفلسفي
تيار فكري يمثله «مركز أفكار» يطرح سؤال حدود التفكير الفلسفي في قضايا الدين والمجتمع في سياق مغربي وعربي أوسع، انطلاقاً من رؤية تعتبر الفلسفة مساحة حرة لا تعرف المحرمات المعرفية. يقوم المشروع على إنتاج معرفي في حقول الفكر والعلوم الإنسانية، ويشدد على أن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يتم من داخل النصوص وحدها، بل يحتاج إلى أدوات نقدية فلسفية قادرة على مساءلة المسلمات وإعادة تأويل التراث. هذا التوجه يتقاطع مع أسئلة متزايدة في المغرب حول إمكان بناء فضاء عمومي يسمح بنقاش عقلاني لقضايا العقيدة، الأخلاق، والحداثة، بعيداً عن ثنائية «التقديس أو الرفض».
البابا ليون الرابع عشر في مرصد الفاتيكان: العلم والإيمان على خط واحد
زيارة البابا ليون الرابع عشر لمرصد الفاتيكان الفلكي في كاستل غاندولفو تسلط الضوء على تقليد طويل للكنيسة الكاثوليكية في رعاية البحث العلمي، خصوصاً في علم الفلك. في خطاب له أمام مسؤولي المرصد، شدد البابا على أن الإيمان والعلم «يعملان معاً في خدمة الحقيقة»، في سياق دفاع عن رؤية ترى في الكون مجالاً للتأمل الروحي وليس ساحة تناقض بين الدين والمعرفة العلمية. المرصد، الذي يُعد من أقدم المؤسسات البحثية المرتبطة بالكنيسة، منصة رمزية لإعادة صياغة علاقة الكنيسة بالعلم في عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
اتفاق الصين والفاتيكان: تسوية سياسية تثير انقسام الكنيسة
يكشف تحقيق «لا كروى» عن خلفيات الاتفاق السري بين الفاتيكان والصين بشأن تعيين الأساقفة، وهو امتداد لاتفاق أولي تم التوصل إليه سنة 2018 لتنظيم تعيين الأساقفة بين روما والسلطات الصينية. يهدف الاتفاق إلى تقليص الانقسام بين الكنيسة «الرسمية» المعترف بها من الحزب الشيوعي والكنيسة «السرية» الموالية لروما، عبر صيغة تمنح كلاً من بكين والكرسي الرسولي تأثيراً في تعيين الأساقفة. مع ذلك، يُتهم الاتفاق بأنه يضفي شرعية على تدخل الدولة في الشؤون الدينية، فيما يرى المدافعون عنه أنه مقاربة واقعية لتحسين أوضاع الكاثوليك في الصين، مع استمرار التوترات كما تظهر في حالات تعيين أساقفة من جانب بكين من دون موافقة الفاتيكان. هذا الملف يختزل سؤالاً مركزياً حول حدود التنازل السياسي لحماية حرية العبادة في الأنظمة الاستبدادية.
الذكاء الاصطناعي تحت مجهر الفاتيكان: نحو أخلاقيات جديدة
تستعد الكنيسة الكاثوليكية لإصدار أول رسالة عامة مخصصة للذكاء الاصطناعي بعنوان «Magnifica humanitas». يكرسها البابا ليون الرابع عشر لقضايا الفقر والأسئلة الأنثروبولوجية الجديدة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي. المقال يستعيد ما قاله الباباوات السابقون عن التقنية، ليوضح أن الخط الكاثوليكي يتجه نحو اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة ضرورية، لكنها تحتاج إلى إطار أخلاقي يحمي كرامة الإنسان ويضمن أن تبقى الآلات في خدمة الإنسان، لا العكس. بهذا المعنى، تنضم الكنيسة إلى النقاش العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، عبر خطاب يمزج بين القلق من «نزع الإنسانية» وبين الدعوة إلى استخدام مسؤول لهذه التقنيات في الصحة، التعليم، ومحاربة الفقر.
صندوق بـ92 مليون جنيه إسترليني لترميم دور العبادة في إنجلترا
في إنجلترا، أُطلق «صندوق تجديد أماكن العبادة» ضمن برنامج حكومي جديد بقيمة 92 مليون جنيه إسترليني على أربع سنوات. يُوجه الصندوق بالأساس لإصلاح وصيانة أماكن العبادة المصنفة تاريخياً. يُدار الصندوق من قبل «هيستوريك إنغلاند» ويموّل إصلاحات تتراوح قيمتها بين 10 آلاف ومليون جنيه، ويركز على المباني الموجودة في مناطق الهشاشة الاجتماعية حيث تكون قدرات جمع التبرعات محدودة. ترى أسقفة لين في كنيسة إنجلترا أن هذه المخصصات تكمل جهود آلاف المتطوعين الذين يسهمون في تمويل صيانة الكنائس. ما يعكس اعترافاً رسمياً بأن دور العبادة جزء من التراث الثقافي والفضاء العمومي وليس مجرد مؤسسات طقسية.
أعمرة: تحصين الشباب والأسرة لمواجهة الانحراف والتطرف
في المغرب، يبرز خطاب رسمي ودعوي يركّز على دور الأسرة والتربية الدينية في تحصين الشباب من الانحراف والتطرف. يظهر في تصريحات أعمرة حول ضرورة جعل الأسرة محوراً في أي سياسة لمواجهة الظواهر السلوكية المقلقة. يدعو هذا الخطاب إلى تفعيل دور المدرسة والمسجد والإعلام في ترسيخ قيم الاعتدال والانتماء، مع التأكيد على أن المقاربات الزجرية وحدها غير كافية من دون بناء مناعة قيمية داخل المجتمع. هذا الطرح يجد صداه في نقاش أوسع حول سياسات الوقاية من التطرف في المنطقة، ومدى الحاجة إلى دمج المقاربة التربوية والثقافية مع المقاربة الأمنية.
الثقافة والحرف التقليدية كوسيلة للتعبير عن الهوية والدين
مقال «هسبريس» حول تصريح السعدي يربط بين الثقافة والحرف التقليدية من جهة، وتعزيز القيم الروحية والهوية الوطنية من جهة أخرى. يعتبر الصناعات التقليدية فضاءً ينقل القيم الدينية والجمالية عبر الأجيال. تُنظر الحرف التقليدية كوسيط بين المادي والرمزي، حيث تجسد الزخارف والخطوط الإسلامية، وأساليب العيش الجماعي، ذاكرة روحية جماعية تتعرض للضغط بفعل العولمة والتغيرات الاقتصادية. في هذا السياق، تصبح حماية الحرف التقليدية جزءاً من سياسة أوسع لحماية ما يمكن وصفه بـ«الرأسمال الروحي والثقافي» للمغرب.
جيل «زد» المغربي: بين التدين الفردي والمطالبة بالمساواة
تشير دراسة منشورة في «هسبريس» إلى أن جزءاً مهماً من جيل «زد» المغربي يميل إلى دعم المساواة في الحقوق والقيم، بما في ذلك بين الجنسين، مع الاحتفاظ بعلاقة خاصة بالدين أكثر فردانية وأقل خضوعاً للسلطات التقليدية. تُظهر أبحاث موازية أن هذه الفئة العمرية، التي تمثل نحو ثلث سكان المغرب، نشأت في بيئة رقمية بالكامل وتمتاز بالحساسية تجاه قضايا العدالة والكرامة والتمثيل. في ضوء ذلك، يمكن قراءة المواقف الجديدة من الدين بوصفها انتقالاً من تدين جماعي مضبوط مؤسساتياً إلى تدين فردي يزاوج بين المرجعية الدينية والحقوقية، ما يطرح تحديات وفرصاً أمام السياسات الدينية في البلاد.
أندري أزولاي: المغرب واليونان نموذج لحوار الثقافات
يبرز المقال كيف نجح المغرب واليونان في تقديم نموذج لحوار الحضارات من خلال استثمار الإرث المتوسطي المشترك والتنوع الديني والثقافي، في تصريح منسوب للمستشار أندري أزولاي. هنا تُستحضر التجربة المغربية في تدبير التعدد الديني وحماية التراث اليهودي والإسلامي والمسيحي ضمن رؤية تؤكد أن الحوار ليس مجرد شعار دبلوماسي، بل سياسة عمومية في الثقافة والتعليم والذاكرة. هذه المقاربة للنقاش حول الدين بعداً جيوثقافياً يتجاوز الحدود الوطنية.
نقاش فرنسي حول الإسلاموية: أربعون سنة من «التنازلات»؟
في «لوفيغارو»، يقدّم فرغانة أزيهاري قراءة نقدية لأربعة عقود من السياسات الفرنسية في مواجهة الإسلاموية. ويعتبر أن السلطات الغربية ارتكبت سلسلة «تنازلات» سمحت بترسخ خطاب متشدد داخل بعض الأوساط المسلمة. يستند الكاتب إلى كتابه «الإسلام ضد الحداثة» حيث يعالج تاريخ العالم الإسلامي وعلاقته بالحداثة السياسية والاقتصادية. ويرى أن جزءاً من المشكلة يكمن في عجز الأنظمة عن تحقيق الازدهار والحقوق الأساسية، ما يخلق فراغاً تستغله الحركات المتطرفة. المقال يندرج ضمن جدل أوسع في أوروبا حول علاقة الإسلام بالديمقراطية والحداثة. ويثير تحدياً تحريريّاً للصحافة العربية في كيفية تناول هذا الخطاب نقدياً دون الوقوع في التبرير أو الانفعال.
نقاش مغربي معاصر حول تجديد الفكر الديني
يتناول مقال في «Oulemag» قضايا راهنة في الفكر الديني المغربي، مع التركيز على الحاجة إلى خطاب يجمع بين الوسطية والانفتاح على أسئلة العصر، بما فيها قضايا الحرية الفردية والمساواة. يُبرز النص دور المؤسسات الدينية والعلماء في تأطير هذا النقاش، مع الدعوة إلى تجاوز الانغلاق النصي نحو قراءة مقاصدية وتاريخية للتراث. يتقاطع هذا النقاش مع تحولات جيل «زد» وواقع الفضاء الرقمي، حيث تصبح المعركة على التأويل ذات أهمية كبيرة في مجال المعنى والتمثيل أيضاً.
شكراً لرفقتكم في هذا العدد من «نشرة سُبْحة»، نلتقي في الإصدار القادم لمواصلة تتبّع أخبار الدين وتحولاته في المغرب والعالم برؤية صحفية حديثة. ما الزاوية التي تود أن نُعمِّقها أكثر في الأعداد المقبلة: الذكاء الاصطناعي في الدين أم تحولات تدين الجيل الجديد؟