السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
تحية دافئة لقرّاء «نشرة سُبْحة». في هذا العدد نتابع تديّن العالم تحت الضغط: حجاً تحت حرارة قياسية، مغرباً يعيد تعريف نفسه كبلد استقبال مهاجرين، وتحولات روحية من التصوف المغربي إلى التشيع المعاصر، مروراً بتوترات العلاقة بين الدين والدولة في الصين وإفريقيا.
انطلاق مناسك الحج 2026 في مكة وسط حرارة قياسية وتوترات إقليمية
بدأت مناسك الحج في مكة المكرمة هذا العام بمشاركة أكثر من 1.52 مليون حاج من خارج السعودية، في رقم تجاوز حصيلة 2025 رغم الاضطرابات الإقليمية والحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من هجمات إيرانية على أهداف في السعودية والخليج. يأتي الحجاج من أكثر من مئة جنسية، في واحد من أكبر التجمعات الدينية السنوية في العالم، فيما تستمر السلطات في تشديد إجراءات الدخول إلى مكة لمنع الحجاج غير النظاميين بعد تجارب مأساوية سابقة.
يتزامن هذا الموسم مع مخاوف من تجدد التصعيد العسكري في المنطقة، خصوصاً بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة على مواقع سعودية وأميركية، ما دفع سفارات غربية – بينها الأميركية والأسترالية – إلى دعوة رعاياها لمراجعة قرار أداء الحج دون أن تمنعه رسمياً. ومع ذلك، يؤكد حجاج من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا أنهم لم يترددوا في المجيء، معتبرين مكة «أكثر الأماكن أماناً في العالم» ومؤكدين ثقتهم في قدرات المملكة التنظيمية والأمنية.
الحرارة المرتفعة أكبر تحدٍّ للحجاج في موسم 2026
يتصدر عامل المناخ واجهة التحديات هذا الموسم، إذ يتوقع المركز الوطني للأرصاد في السعودية أن تتراوح درجات الحرارة في مكة والمشاعر المقدسة بين 42 و47 درجة مئوية نهاراً خلال أيام الحج، مع تسجيل مكة إحدى أعلى درجات الحرارة على الكوكب في الأيام التي سبقت انطلاق المناسك. هذه الظروف دفعت حجاجاً، مثل الحاجة المصرية إيناس جمال، إلى تقليص حضورهم في الصلوات النهارية في المسجد الحرام والاكتفاء بالصلوات بعد غروب الشمس بسبب عدم القدرة على التكيف مع الحر الشديد، في مشهد يلخّص أثر التغير المناخي على الممارسات الدينية الميدانية.
في مواجهة هذه الموجة الحارة، كثّفت السلطات السعودية استخدام أنظمة التكييف الضخمة في ساحات المسجد الحرام، ونصبت أعمدة رش الرذاذ المائي على مسافات طويلة في المشاعر، ووزعت ملايين قوارير المياه المثلجة، كما خصصت مستشفيات ميدانية في منى لاستقبال حالات الإجهاد الحراري. ورغم معالجة وزارة الصحة لأكثر من مئة حالة إجهاد حراري في بداية الموسم، يؤكد مسؤولون صحيون أن الوقاية – عبر شرب الماء باستمرار، واستخدام المظلات، وتجنّب التعرض للشمس – تبقى خط الدفاع الأول أمام مخاطر ضربات الشمس والتوقف القلبي.
الحج تحت التحذيرات: حجاج غربيون بين المخاطر الأمنية والإيمان بالأمان الروحي
بدلاً من أن يثنيهم التوتر الإقليمي وتحذيرات دولهم، أصر حجاج من الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا على أداء الفريضة، معتبرين أن «النية» والثقة بالله أهم من الحسابات السياسية. فبينما نصحت السفارة الأميركية في الرياض مواطنيها بإعادة النظر في الحج بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وكررت أستراليا توصية مشابهة، يصرّ حجاج من فلوريدا، وهامبورغ، ولندن على أن وجودهم في مكة يمنحهم شعوراً بـ«الأمان التام» حتى مع تواصل أخبار الحرب في الجوار.
هذا الإقبال يأتي في ظل اضطرابات كبيرة شهدتها حركة الطيران في المنطقة بعد الهجمات المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، ما أدى إلى إغلاق مجالات جوية وإلغاء رحلات قبل أن تستعيد شركات الطيران الخليجية جزءاً من طاقتها التشغيلية قبيل الحج. ومع ذلك، تمكن أكثر من 1.518 مليون حاج من الوصول جواً وبراً وبحراً، ليكتظ الحرم المكي والطرق المؤدية إليه بملايين المصلين، وسط تعبئة لوجستية تشمل أكثر من 50 ألفاً من الكوادر الطبية و3 آلاف سيارة إسعاف.
موسم حج 2026: أرقام قياسية في أعداد الحجاج رغم تعقيدات السفر
أفادت سلطات الجوازات السعودية بأن عدد الحجاج القادمين من خارج المملكة بلغ حتى الآن 1,518,153 حاجاً، عبر المنافذ الجوية والبرية والبحرية، متجاوزاً بالفعل عدد الحجاج الدوليين في 2025 رغم استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. تشارك شركات الطيران الخليجية الكبرى – إلى جانب الخطوط السعودية – في نقل الحجاج من آسيا وإفريقيا وأوروبا، ما يعكس استمرارية البعد العالمي للحج كحدث يتجاوز الأزمات السياسية والاقتصادية.
تغص شوارع مكة وأسواقها بالملايين ممن يختلط لديهم البعد الروحي بالبعد الاقتصادي، إذ يشكل موسم الحج أحد ركائز الاقتصاد السعودي غير النفطي من حيث الفنادق، وتجارة السلع الدينية، وخدمات النقل. ورغم المخاطر المحتملة لتجدد التصعيد، تحرص المملكة على إبقاء الصراع الإقليمي خارج أجواء الحج، حفاظاً على صورة مكة كـ«فضاء محايد» يجمع مسلمين من دول متخاصمة تحت مظلة شعيرة واحدة.
المغرب يتحول إلى أرض استقبال للمهاجرين ويعزّز استقراره الأمني
يشير تقرير أميركي حديث إلى أن المغرب لم يعد مجرد بلد عبور نحو أوروبا، بل بات تدريجياً أرض استقبال للمهاجرين واللاجئين، خصوصاً من دول إفريقيا جنوب الصحراء، معزّزاً في الوقت نفسه صورته كدولة مستقرة أمنياً في منطقة مضطربة. ويؤكد التقرير أن هذا التحول يتقاطع مع السياسة الوطنية للهجرة واللجوء، التي تبنتها الرباط منذ 2013، والقائمة على تسوية أوضاع عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين وإدماجهم اجتماعياً واقتصادياً، بعيداً عن المقاربة الأمنية الصرفة.
بيانات المندوبية السامية للتخطيط تكشف أن أكثر من نصف المهاجرين المقيمين في المغرب (حوالي 53.7٪) ينوون البقاء فيه بشكل دائم، ما يعني أن البلاد بصدد إعادة تشكيل نسيجها الديمغرافي والثقافي والديني على المدى المتوسط. في هذا السياق، تبرز تحديات التعايش الديني بين مسلمين ومسيحيين وأتباع ديانات إفريقية تقليدية، مقابل نموذج التدين المغربي القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف، مع رهان رسمي على جعل المغرب واجهة لـ«إسلام معتدل» قادر على استيعاب هذا التنوع.
عفو ملكي عن مشجعين سنغاليين في سياق دبلوماسية روحية إفريقية
بمناسبة عيد الأضحى، أصدر الملك محمد السادس عفواً عن مشجعين سنغاليين أدينوا في أحداث مرتبطة بكأس إفريقيا للأمم، في خطوة ذات رمزية تتجاوز الإطار الرياضي والقضائي نحو بعد دبلوماسي وروحي إفريقي. هذا النوع من العفو المرتبط بالمناسبات الدينية الكبرى – وعلى رأسها الأعياد وشهر رمضان – بات جزءاً من تقليد سياسي وديني مغربي يربط بين مؤسسة الإمارة الدينية (أمير المؤمنين) ومنطق الرحمة والتسامح.
وتأتي هذه المبادرة في سياق إستراتيجية أوسع للمغرب لتعزيز حضوره في غرب إفريقيا، حيث يشكل الرباط مرجعاً دينياً عبر شبكات الزوايا الصوفية والعلاقات الروحية التاريخية، خاصة مع السينغال ومالي. بذلك، يتحول العفو عن مشجعين أجانب إلى رسالة سياسية موجهة للرأي العام الإفريقي، تقوم على المزج بين العدالة والعفو، وعلى استخدام المناسبات الدينية كفرص لإعادة بناء الثقة بين الشعوب.
مائدة مستديرة تمهّد لمهرجان «تاريخ الفن» حول البعد الروحي والجمالي للفن
في سياق الاستعداد لمهرجان «تاريخ الفن»، نظمت مائدة مستديرة بالمغرب تناولت علاقة الفن بالروحانيات، مع التركيز على كيفية تجسيد التجربة الدينية في الأشكال الفنية التقليدية والمعاصرة. ناقشت المداخلات حضور الرموز الدينية في العمارة الإسلامية، والزخرفة، والموسيقى الروحية، وأشكال التعبير البصري المرتبطة بالطرق الصوفية، ما يعكس استمرار الفن كوسيط بين المقدس والحياة اليومية.
هذا الربط بين الفن والبعد الروحي يجد جذوره في التجربة الصوفية المغربية، حيث يشكل السماع، والإنشاد، وفنون الحضرة، أدوات للتعبير عن الشوق إلى الإلهي، ضمن تصور للتدين يُزاوج بين الجمال والأخلاق. المهرجان المرتقب يبدو فرصة لإبراز هذه الأبعاد أمام جمهور محلي وسياح أجانب، في لحظة يسعى فيها المغرب إلى تسويق رصيده الروحي والثقافي كعنصر جذب سياحي وحوار حضاري.
الطريقة الصوفية: طريق باطني يربط الشريعة بالإحسان
يعرض هذا النص التعريفي التصوف باعتباره «طريقاً باطنياً» داخل الإسلام، هدفه الوصول إلى مقام الإحسان عبر تزكية النفس، والذكر، والمجاهدة، مع التأكيد على أن التصوف السني لا ينفصل عن الشريعة بل يشكل بُعدها الروحي العميق. يتم تقديم الطريق الصوفي كمسار تدرّجي يمر بالمراحل النفسية والمعرفية وصولاً إلى «المعرفة الذوقية» بالله، مع الاستناد إلى الكتاب والسنة وسير أولياء الله الصالحين.
في السياق المغربي، تطور هذا التصور ضمن ما يُعرف بالتصوف الجنيدي، كما في المدرسة الشاذلية والقادرية، التي تجعل من الأخلاق المحمدية وضبط السلوك محور المشروع الروحي، بعيداً عن الانحرافات والممارسات الغلوّية. وبذلك، يغدو التصوف جزءاً من «هندسة التدين المغربي» الرسمية، حيث يقدَّم كحصن ضد التطرف، وفضاء للانفتاح على الآخر، وأداة لإشاعة قيم التسامح في الداخل والخارج.
من خلافة علي إلى التشيع المعاصر: قراءة تاريخية وعقائدية
يأخذ هذا البودكاست المستمع في رحلة عبر تاريخ التشيع من لحظة الخلاف السياسي حول أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة بعد الرسول، إلى تشكّل المذاهب الشيعية الرئيسية، وعلى رأسها الاثنا عشرية. يوضح البرنامج الفوارق الأساسية بين التشيع والسنة، خصوصاً في مفهوم الإمامة والعصمة، ودور المرجعية الدينية، وكيف تحولت هذه الفوارق العقائدية إلى فاعل سياسي محوري في خرائط القوة المعاصرة في إيران والعراق ولبنان.
ويشير البودكاست إلى أن التشيع المعاصر لم يعد مجرد مذهب فقهي، بل أصبح أيضاً إطاراً لهوية سياسية وثقافية، تتقاطع مع ملفات الحرب والسلام في الشرق الأوسط. في المقابل، يستمر النقاش داخل العالم الإسلامي حول إمكانية تجاوز الاستقطاب السني–الشيعي عبر مقاربات حوارية تستعيد المشتركات العقدية والروحية، بما فيها الإيمان المشترك بآل البيت.
الكنيسة الكاثوليكية في الصين بين الولاء لبكين والارتباط بروما
دعا البابا لاوون الرابع عشر المؤمنين إلى الصلاة من أجل وحدة الكنيسة الكاثوليكية في الصين، في بلد يضم نحو 12 مليون كاثوليكي منقسمين بين كنيسة رسمية تخضع لسيطرة الدولة، وأخرى «سرية» بقيت وفية للفاتيكان. تأتي هذه الدعوة في إطار اتفاق تاريخي أبرم بين الصين والفاتيكان سنة 2018 حول تعيين الأساقفة، وجُدّد في 2024 لأربع سنوات، مع منح البابا الكلمة الفصل في التنصيب، وإن ظل التنفيذ يعرف توترات وخروقات من حين لآخر.
هذه المعادلة تعكس تعقيد علاقة الدين بالدولة في الصين، حيث تسعى السلطات إلى ضبط الحضور الديني في الفضاء العام، بينما تحاول روما الحفاظ على وحدة الكنيسة الكاثوليكية عالمياً. بالنسبة للمؤمنين الصينيين، يبقى الرهان هو ممارسة إيمانهم في إطار قانوني أقل هشاشة، مع الحفاظ على رابطهم الروحي بالكنيسة الجامعة.
الحصار يغيّر ملامح عيد الأضحى في مالي
في مالي، يفرض الجهاديون حصاراً فعلياً على العاصمة باماكو ومحيطها، ما يجعل كثيراً من السكان عاجزين عن العودة إلى قراهم للاحتفال بعيد الأضحى (تاباسكي) كما اعتادوا منذ عقود. أغلقت شركات نقل محلية خطوطها بعد تعرض حافلات لحرق وهجمات، وأصبحت حتى السيارات الخاصة والدراجات النارية أهدافاً محتملة، ما دفع عائلات كاملة إلى قضاء العيد بعيداً عن جذورها الاجتماعية، في قطيعة قسرية مع طقس ديني–اجتماعي محوري في غرب إفريقيا.
انعكس الحصار مباشرة على سوق الأضاحي، حيث ارتفعت تكلفة نقل المواشي أضعافاً، ما أدى إلى شح الأغنام وارتفاع أسعارها إلى مستويات لا يطيقها جزء كبير من السكان في بلد منخفض الدخل. إلى جانب ذلك، تزيد أزمات انقطاع الكهرباء ونقص المياه من قلق الأسر حول حفظ لحوم الأضاحي، لتتحول المناسبة من فضاء للفرح الجماعي إلى مرآة لأزمات الأمن والاقتصاد والخدمات الأساسية.
شكراً لمرافقتكم لنا في هذا العدد من «نشرة سُبْحة». نلتقي في العدد القادم مع قصص جديدة من تقاطعات الدين والمجتمع والروحانيات حول العالم، إلى ذلك الحين، لا تترددوا في إرسال روابط ومواد ترون أنها تستحق المتابعة والتحليل.