السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
مرحبًا بكم في عدد جديد من "سُبحة"، نشرتكم اليومية لأهم ما يجري في الشأن الديني والثقافي، مغربيًا وعالميًا. نصحبكم اليوم من الرباط إلى نيامي وكوالالمبور ونواكشوط، عبر ست محطات نرجو أن تنال اهتمامكم.
المغرب وإفريقيا
الريسوني سفيرًا علميًا فوق العادة: ماليزيا تكرّم فقيه المقاصد المغربي
في فاتح محرم 1448 الموافق 17 يونيو 2026، توّجت الحكومة الماليزية العلامة أحمد الريسوني، مؤسس مركز المقاصد للدراسات والبحوث بالرباط والرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بجائزة "شخصية الهجرة النبوية الدولية" لعام 1448هـ، في حفل أقيم بمسجد بوترا في العاصمة الإدارية بوترا جايا، وتولى تسليم الجائزة شخصيًا سلطان ولاية بيراك، نزرين معز الدين شاه، بحضور حشد من المسؤولين والعلماء. وبرّرت الحكومة الماليزية اختيارها بأنه "تقديرٌ لإسهاماته العلمية والفكرية والدعوية المتميزة، ولدوره البارز في خدمة الإسلام وقضاياه المعاصرة، وإثراء الفكر الإسلامي الوسطي، وتعزيز قيم الاجتهاد والتجديد والحوار". يأتي هذا التكريم تتويجًا لمسار ترجمة طويل: فكتاب الريسوني المرجعي "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" نُقل أولًا إلى الفارسية، ثم الأردية والإنجليزية والبوسنية، وأخيرًا الملايوية، بينما تُرجم كتابه "الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية" إلى الفرنسية والألمانية والملايوية، إلى جانب "مقصد السلام في شريعة الإسلام" و"قواعد المقاصد". ويرى الكاتب مصطفى قرطاح، في مقال تحليلي نُشر في موقع حركة التوحيد والإصلاح، أن هذا التتويج "تجسيد للسفارة العلمية" المغربية في جنوب شرق آسيا، مستحضرًا عبارة العلامة عبد الله كنون عن "النبوغ المغربي" بوصفها نتيجة سبر علمي دقيق لا عاطفة وطنية عابرة. يعكس الحدث، في سياقه الأوسع، استمرار تصدير النموذج المغربي في علم المقاصد إلى حواضن علمية في آسيا، حيث تتزايد الكثافة السكانية المسلمة في ماليزيا وإندونيسيا وبروناي وسنغافورة.
نيامي تحتضن منافسات الحديث النبوي: مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة توسّع إشعاعها القاري
نظّم فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بجمهورية النيجر، يوم الأحد 21 يونيو 2026 بالعاصمة نيامي، الإقصائيات المحلية المؤهلة للأطوار النهائية من الدورة الثالثة لمسابقة المؤسسة في الحديث النبوي الشريف، وذلك في إطار حملة إقصائيات تمتد عبر القارة من فاتح يونيو إلى 30 يونيو 2026م (الموافق 15 ذي الحجة 1447هـ إلى 14 محرم 1448هـ)، خُصّصت هذه السنة لموضوع السيرة النبوية. ولم تكن النيجر الفرع الوحيد المنشغل بهذه المحطة: فقد سبقتها أوغندا بإقصائيات شارك فيها 24 متسابقًا بقاعة المؤتمرات بالمسجد الوطني في كمبالا يوم 18 يونيو، والسودان بمشاركة 72 متسابقًا في مدينة ود شريفي بولاية كسلا يوم 16 يونيو، فضلًا عن الكونغو برازافيل وملاوي في وقت سابق من الشهر. يأتي هذا الزخم التنافسي عقب اختتام ندوة علمية دولية احتضنتها نيامي يومي 6 و7 يونيو تحت عنوان "إمارة المؤمنين ورعايتها للشأن الديني الإفريقي وللمشترك الإنساني"، وهي ندوة تُجسّد، إلى جانب مسابقتي الحديث والقرآن الكريم التابعتين للمؤسسة، الاستراتيجية المغربية في تصدير نموذج التأطير الديني الوسطي جنوب الصحراء، عبر شبكة فروع تغطي عشرات الدول الإفريقية وتستثمر العلاقات الروحية التاريخية، خصوصًا عبر الطريقة التجانية، بين المملكة ودول الغرب الإفريقي.
المجلس العلمي الأعلى: تجديد القيادة وبرقية ولاء تختم الدورة 37
توصّل الديوان الملكي ببرقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى أمير المؤمنين الملك محمد السادس من الأمين العام الجديد للمجلس العلمي الأعلى، اليزيد الراضي، بمناسبة اختتام أشغال الدورة العادية السابعة والثلاثين للمجلس. ورفع الراضي في برقيته، نيابةً عن جميع العلماء المشاركين، عبارات الشكر لجلالة الملك على "توفير شروط الاشتغال لتبليغ الدين" وعلى "منهجكم التوجيهي الرشيد" في ترسيخ "أسس التدين الصحيح" القائم على الوسطية والاعتدال. تأتي هذه البرقية في سياق انتقال مؤسسي لافت: فقد عيّن أمير المؤمنين الراضي، المزداد سنة 1950 بإقليم تارودانت والرئيس السابق للمجلس العلمي الجهوي لجهة سوس-ماسة منذ 2023، أمينًا عامًا للمجلس يوم 14 أبريل 2026 خلفًا لمحمد يسف، الذي وُشّح بوسام العرش من درجة ضابط كبير تقديرًا لمساره. وجرى حفل تنصيب الراضي رسميًا يوم 16 أبريل بحضور وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، الذي أكد في كلمته أن الأمين العام الجديد "على دراية تامة بما حققته هذه المؤسسة من مهامها"، فيما شدّد الراضي، الذي تكوّن في المدارس العتيقة بسوس قبل أن يراكم مسارًا جامعيًا وأدبيًا يضم ديوان شعر يتجاوز 15 ألف بيت، على ثقل المسؤولية الموكولة إليه في حماية الثوابت الدينية للمملكة. يعكس هذا التجديد في قيادة أعلى هيئة علمية بالمغرب حرص إمارة المؤمنين على تجديد الدماء في الحقل الديني، مع الإبقاء على نفس المرجعية الوسطية التي يقوم عليها النموذج المغربي.
شؤون دينية دولية
"Communion": نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس يحوّل قصة تحوّله الكاثوليكي إلى بيان سياسي
أصدر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، يوم 16 يونيو 2026، عن دار "هاربر كولينز" كتابه الثاني "Communion: Finding My Way Back to Faith" (304 صفحة)، الذي يروي مساره من المسيحية البروتستانتية في طفولته في منطقة "الحزام الصدئ" الأمريكية، إلى الإلحاد خلال خدمته العسكرية في العراق، ثم اعتناقه الكاثوليكية في 2019 عن عمر 35 عامًا بعد تكوين خاص تلقاه على يد كهنة دومينيكان في أوهايو وواشنطن. ويصف موقع "لاكروا" الفرنسي الكتاب، في عدده الصادر يوم 22 يونيو، بأنه "سرد لمسار روحي في قالب بيان سياسي"، فيما وصفته وكالة أسوشيتد برس بأنه "بيان حول دور الدين في الحياة العامة". ويتضمن الكتاب اعتذارًا صريحًا عن تصريحه المثير للجدل سنة 2021 بشأن "السيدات العازبات اللواتي لا يربين قططًا"، حيث وصفه فانس بأنه "أحد أغبى ما قلته"، كما يستعيد لقاءه بالبابا الراحل فرنسيس في الفاتيكان في 20 أبريل 2025، قبل ساعات من وفاة الحبر الأعظم الذي كان قد انتقد علنًا توظيف فانس لمفهوم "ordo amoris" اللاهوتي لتبرير سياسة الهجرة المتشددة لإدارة ترامب. وقد واجه الكتاب موجة نقد لاذعة من صحيفة "وول ستريت جورنال" التي وصفت بعض حججه بـ"الإهمال الفاضح"، ومن مجلة "نيويوركر" التي رأت في غموضه المتعمد محاولة لكسب ود الإنجيليين دون الالتزام الكامل بعقيدة الفاتيكان. يُقرأ توقيت الإصدار، الذي يتزامن مع تكهنات واسعة حول ترشح فانس البالغ 41 عامًا للانتخابات الرئاسية لعام 2028، في ضوء سابقة "Hillbilly Elegy" التي حوّلت مؤلفها من كاتب مجهول إلى نائب رئيس، وتثير تساؤلات حول حدود استثمار الهوية الدينية في الحملات الانتخابية الأمريكية المقبلة.
نجم "Breaking Bad" جيانكارلو إسبوزيتو يعتنق الإسلام في السعودية
أعلن المسؤول السعودي تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، عبر منصة "إكس" يوم 21 يونيو 2026، أن الممثل الأمريكي جيانكارلو إسبوزيتو، البالغ 68 عامًا والمعروف بأدائه شخصية "غاس فرينغ" في مسلسل "Breaking Bad" وامتداده "Better Call Saul"، نطق الشهادتين وأدى الصلاة مع أعضاء فريق الإنتاج في مسجد بالمملكة، خلال تصويره فيلم "7 Dogs"، أحد أضخم الإنتاجات السينمائية العربية تكلفة، الذي يخرجه الثنائي المغربي البلجيكي عادل العربي وبلال فلاح، صاحبا "Bad Boys: Ride or Die". وأوضح آل الشيخ أن قرار إسبوزيتو جاء "بعد تجربة إيجابية في المملكة وتفاعل مع المسلمين"، حيث أعرب الممثل، بحسب الرواية الرسمية، عن تأثره بـ"حسن الضيافة وروح الجماعة" التي عاشها خلال التصوير. يأتي هذا الإعلان في إطار استراتيجية سعودية أوسع لجذب الإنتاجات السينمائية الدولية، إذ خصصت المملكة 71.2 مليار دولار لقطاع الترفيه ضمن "رؤية 2030"، وأطلقت في 2024 صندوقًا سينمائيًا بقيمة 100 مليون دولار، وهو ما يجعل من تحول إسبوزيتو، الذي لم يصدر بيانًا شخصيًا حتى الآن، حدثًا يتقاطع فيه الإعلام الديني مع رهانات الدبلوماسية الناعمة والصناعة الثقافية السعودية. تجدر الإشارة إلى أن بعض المعلقين شككوا في غياب تأكيد مباشر من الممثل نفسه، وهي ملاحظة تستدعي التريث في الرواية الرسمية الصادرة عن جهة الإنتاج وحدها. 👇
موريتانيا: العفو الرئاسي عن تسعة سلفيين يتوّج مسار "الحوار الفكري" مع المتطرفين
أصدر الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، يوم الجمعة 19 يونيو 2026، عفوًا رئاسيًا شمل تسعة معتقلين (ثمانية رجال وامرأة واحدة) محكومين في قضايا متصلة بالتطرف العنيف والإرهاب، من بينهم متورطون في تفجير آليغ الذي وقع في ديسمبر 2007 وأسفر عن وفاة أربعة سياح فرنسيين. وأوضحت الرئاسة، في بلاغ رسمي، أن ثلاثة من المستفيدين حصلوا على عفو شمل ما تبقى من عقوباتهم السالبة للحرية والغرامات والمصاريف القضائية، بينما استُبدلت عقوبة ستة آخرين بالمدة التي قضوها فعليًا في السجن. وجاء القرار في أعقاب توقيع 14 سجينًا سلفيًا بيانًا جماعيًا للتوبة، أعلنوا فيه تخليهم عن العنف والتزامهم باحترام مؤسسات الدولة، طلبًا لـ"عفو الأمة". وأكد رئيس لجنة الحوار مع المعتقلين، الفقيه محمد المختار ولد مبالي، في مؤتمر صحفي بنواكشوط، أن هذا المسار يقوم على "الإقناع والحجة الدينية بعيدًا عن أي منطق للتفاوض أو المقايضة"، مستندًا إلى مرجعيات الفقه الإسلامي وسوابق تاريخية في معالجة الانحرافات الفكرية بالحوار، تحت إشراف مباشر من الرئيس الغزواني. ومع ذلك، لم يشمل العفو ستة من الموقّعين على بيان التوبة نفسه، فيما لا يزال خمسة آخرون من أبرز الشخصيات الجهادية الموريتانية رهن الاعتقال لتقييم السلطات بأن ملفهم لا يزال يمثل خطرًا أمنيًا. يُقدَّم هذا النموذج الموريتاني، الذي يجمع بين الحزم القضائي والحوار الديني وبرامج إعادة الإدماج، بوصفه نموذجًا إقليميًا متميزًا في مكافحة التطرف، مقارنة بالمقاربات الأمنية الصرفة التي تبنّتها دول أخرى في منطقة الساحل.
استطلاع "Theos" البريطاني: لا حاجة لأن تكون مسيحيًا لتكون بريطانيًا
كشفت دراسة جديدة حول النزعة القومية المسيحية، أصدرها مركز الأبحاث البريطاني "Theos" بمناسبة مرور عشر سنوات على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أن نسبة قليلة جدًا من البريطانيين تعتبر أن اعتناق المسيحية أو الانتماء إلى العرق الأبيض شرطٌ لازم لـ"الهوية البريطانية الحقيقية"، في حين تتصدّر معايير أخرى الترتيب: احترام القانون، الالتزام بالديمقراطية وحرية التعبير، إتقان اللغة الإنجليزية، والمساهمة الاقتصادية، بينما رأى 45% من المستجوَبين أن الولادة في بريطانيا عامل مهم لاكتساب هذه الهوية. وخلص المركز إلى أن هذه النتائج "تُظهر أن المخاوف الأخيرة من تصاعد قومية مسيحية في المملكة المتحدة كانت مبالغًا فيها". وعلّق الدكتور نيك سبنسر، الباحث الرئيسي في "Theos" ومدير المشروع، قائلًا إن البلاد "لم تنزلق إلى نزعة عرقية-قومية عدائية كما كان يخشى بعضهم بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، مضيفًا أن "الغالبية العظمى لا تزال تتبنى رؤية سياسية-مدنية للهوية البريطانية"، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن هذه الرؤية "تبقى هشة لأنها تقوم على ثقة المواطنين بالنظام، وإذا تزعزعت هذه الثقة، بفعل قضايا كالهجرة الجماعية أو التهميش الاقتصادي، فمن السهل تصوّر كيف يمكن أن تتطور أشكال أكثر انغلاقًا من القومية". تأتي هذه الدراسة في سياق نقاش بريطاني وأوروبي أوسع حول العلاقة بين الهوية الدينية والهوية الوطنية في مجتمعات ما بعد العلمنة، حيث تتقاطع مخاوف من تراجع التماسك الاجتماعي مع رغبة في الحفاظ على نموذج مدني جامع لا يقوم على معيار عقائدي أو عرقي.
بهذا نختم عدد اليوم من "سُبحة". نشكركم على القراءة، ونلقاكم في عددٍ جديد غدًا بإذن الله، حاملين معه ما يستجد من أخبار الشأن الديني عندنا وفي العالم. والسلام عليكم.