السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
ومساء الخير من الرباط إلى نواكشوط، ومن باريس إلى واشنطن وطوكيو.
نفتتح عدد اليوم بحدث رمزي بامتياز يلخص خمسين عاما من العلاقات المغربية الفاتيكانية، قبل أن ننتقل إلى تتويج قضائي مهم في طوكيو يطرح أسئلة جوهرية حول حدود الحرية الدينية، ثم إلى واشنطن حيث أصدرت المحكمة العليا قرارا مثيرا للجدل في قضية حقوق السجناء الدينية، وإلى قاعات القضاء الأميركي حيث تخوض كنيسة "مورمون" معركة قانونية مع أحد أبرز منتقديها. كما نتوقف عند فتوى موريتانية تحسم موقفا عقديا دقيقا، وعند تحقيق صحفي يهز أوساط الاستخبارات الأميركية، قبل أن نختم بإصدارين فكريين يستحقان الانتباه.
المغرب يستقبل بارولين: أيقونة دبلوماسية في قلب أكاديمية المملكة
جمعت أكاديمية المملكة المغربية، الثلاثاء، أتباع ثلاث ديانات في حفل استقبال وتنصيب الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة البابا لاون الرابع عشر، عضوا شرفيا في أرفع المؤسسات الفكرية الرسمية بالمملكة. وألقى بارولين، بهذه المناسبة، درس تنصيب بعنوان "مؤمنون ومواطنون: معا لبناء الأخوة الإنسانية بعد خمسين عاما من العلاقات الدبلوماسية بين الكرسي الرسولي والمغرب"، في جلسة سيرها المستشار الملكي أندري أزولاي، وافتتحها عبد الجليل لحجمري، الأمين العام الدائم للأكاديمية، الذي وصف التنصيب بأنه تكريم لشخصية "تؤمن بقناعة صارت نادرة مفادها أن السلام باب الغد". وتأتي هذه العضوية الشرفية تقديرا لمسار بارولين الذي شغل منصب كاتب الدولة لدى الفاتيكان ووزير خارجية الكرسي الرسولي، وأشرف على تطوير العلاقات الدبلوماسية بين الفاتيكان ودول العالم، فضلا عن عمله سفيرا بابويا في فنزويلا وحصوله على جائزة "درب السلام" تقديرا لمساره في الخدمة الدبلوماسية. وفي درسه، استحضر بارولين زيارة البابا يوحنا بولس الثاني للدار البيضاء سنة 1985 وخطابه أمام الشباب المسلمين، وزيارة البابا فرنسيس للرباط سنة 2019 ونداءه المشترك مع الملك محمد السادس بشأن مكانة القدس الشريف، معتبرا أن العلاقة بين المملكة والكرسي الرسولي تمتد إلى أكثر من ألف عام وتحمل اليوم رؤية مشتركة مفادها أن الدين طريق لمواجهة التطرف لا أداة لتغذيته. ولم يفت الكاردينال الإيطالي أن يتطرق إلى قضايا الراهن، فدعا إلى ضبط الذكاء الاصطناعي بما يضمن أن يكون "في خدمة الإنسان لا العكس"، في تأكيد لموقف الفاتيكان الذي يربط التقدم التقني بالمسؤولية الأخلاقية. واللافت أن هذا التنصيب ليس الأول من نوعه، إذ سبق أن مثّل الفاتيكان في أكاديمية المملكة الكاردينال البنيني برنار غانتان قبل وفاته سنة 2008، وهو ما يعكس استمرارية تقليد الحوار الإسلامي المسيحي الذي يحرص المغرب على ترسيخه باعتباره أحد أعمدة هويته الدينية الرسمية.
الدبلوماسية الدينية المغربية بين القوة والثغرات: قراءة في تقرير فرنسي
كرّس تقرير صادر عن "المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية التطبيقية" تحليلا معمقا لما يسميه الباحثون "النموذج الديني المغربي"، خلص فيه رئيس المعهد ألكسندر نيغروس إلى أن المغرب لم يبن نموذجه على الخطابة فحسب، بل على بنية مؤسساتية وتاريخية وعقدية متكاملة. ويرتكز هذا النموذج، بحسب التقرير، على ثلاثية الإمارة المؤمنية، والإسلام الوسطي القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، إذ يضمن الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، توازنا دينيا يحول دون أن يتمكن أي تيار إسلامي معارض من منافسة المؤسسة الملكية على الشرعية الدينية، وهو ما يفسر، حسب التقرير، استثناء المغرب من موجة الاضطرابات التي عرفها "الربيع العربي" في عدد من الدول التي شهدت قطيعة بين السلطة السياسية والشرعية الدينية الشعبية. ويشرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على نحو 52 ألف مسجد عبر التراب الوطني، فيما يحتكر المجلس العلمي الأعلى إصدار الفتاوى الرسمية، بما يحول دون أن يكتسب أي خطيب غير مرخص له سلطة دينية معترفا بها، حتى وإن نشط على الإنترنت. ويتوسع هذا النموذج خارج الحدود عبر معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، الذي يستقبل متدربين من أكثر من ثلاثين دولة، أبرزها مالي والسنغال وكوت ديفوار وغينيا وغابون ونيجيريا، فضلا عن عدد من الدول الأوروبية، في مقاربة تجعل من التكوين الديني أداة تأثير إقليمي خصوصا في منطقة الساحل التي يستغل فيها التنظيمات الجهادية انهيار السلطات التقليدية. لكن التقرير لا يخفي حدود هذا النموذج، فأولها الفضاء الرقمي الذي صمم النموذج المغربي لضبطه عبر المساجد والخطباء التقليديين بينما يتيح الإنترنت للدعاة الإلكترونيين المجهولين التحدث بالدارجة المغربية ومخاطبة الشباب بلغتهم بعيدا عن أي رقابة مؤسسية، إضافة إلى فجوة جيلية تجعل بعض الأحياء الحضرية الفقيرة ترى في الإسلام المؤسسي خطابا بعيدا عن واقعها اليومي، فضلا عن محدودية قدرة المغرب على الإحاطة الدينية بأبناء الجالية المغربية في أوروبا رغم وجود تعاون ديني مع بعض الدول. ويخلص التقرير إلى أن هذا النموذج "فريد جدا" بحيث لا يمكن استنساخه حرفيا في سياقات أخرى، لكن ما يمكن الاستفادة منه هو روحه القائمة على معالجة الحقل الديني بشكل إيجابي بدل حصره في البعد الأمني وحده.
طوكيو تطوي ملف "كنيسة التوحيد": تأكيد قضائي وسط جدل حقوقي
أكدت المحكمة العليا في اليابان، الثلاثاء، قرار حل "كنيسة التوحيد" التي أسسها سون ميونغ مون في سيول سنة 1954، في خطوة تطوي المرحلة القضائية لملف فتح بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق شينزو آبي في يوليوز 2022. وجاء هذا التأكيد بعد أن أصدرت محكمة طوكيو العالية في مارس 2026 قرارا مماثلا، استندت فيه القاضية ميكي موتوكو إلى ما اعتبرته نمطا منظما من "المبيعات الروحية"، أي حث المؤمنين على تقديم تبرعات ضخمة في مقابل بركات مزعومة أو لرفع "لعنات" يقال إنها تلاحق أسلافهم، معتبرة أن هذه الممارسات لم تكن حوادث فردية بل استراتيجية تنظيمية ممنهجة، في سابقة قضائية تستند إلى القانون المدني وليس إلى القانون الجنائي. ويعود أصل الملف إلى تيتسويا ياماغامي، قاتل آبي، الذي صرح بأن دافعه كان حقدا شخصيا على الكنيسة التي يحملها مسؤولية إفلاس أسرته بعد أن أقنعت والدته بالتبرع بملايين من ثروتها، فضلا عن اعتقاده أن آبي كان داعما لها. وبالتوازي مع هذا الملف القضائي الياباني، تواجه الزعيمة الحالية للحركة، هاك جا هان، أرملة المؤسس، اعتقالا في كوريا الجنوبية على خلفية تهم فساد وتلقي رشى مرتبطة بهدايا قدمت لزوجة الرئيس الكوري الجنوبي السابق يون سوك يول، وهي تهم تنفيها بشدة، فيما تجري محاكمتها أمام محكمة سيول المركزية. ويرى عدد من الباحثين، من بينهم عالم الاجتماع الإيطالي ماسيمو إنتروفيني، أن قرار المحكمة العليا اليابانية يثير "أسئلة أكثر مما يجيب عنها"، معتبرين أن محكمة طوكيو العالية اعتمدت في تعليلها على قضايا مدنية يعود تاريخها إلى عقود، وتبنت قراءة موسعة للمادة 81 من قانون الهيئات الدينية تسمح باعتبار سلوك فردي مخالف للقانون أساسا لحل هيئة دينية كاملة، حتى إن لم تكن الأفعال جنائية أو حديثة العهد، وهو ما يطرح، في نظرهم، تساؤلات جوهرية حول مستقبل الحرية الدينية في اليابان كدولة تقدم نفسها عالميا كنموذج للتعددية وسيادة القانون. ومن المرتقب أن يعقد ممثلو الكنيسة مؤتمرا صحفيا الأسبوع المقبل في بروكسل للتعبير عن موقفهم من هذا التطور القضائي.
واشنطن: المحكمة العليا تحرم سجينا راستافاريا من التعويض بعد قص ضفائره قسرا
أصدرت المحكمة العليا الأميركية، الثلاثاء، قرارا بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة يحرم دامون لاندور، وهو معتقد راستافاري سابق في سجن لويزيانا، من حق المطالبة بتعويضات مالية بعد أن أجبره حراس السجن على قص ضفائره عنوة، في خرق صريح لعقيدته الدينية. ويعود الملف إلى سنة 2020، حين كان لاندور قد أوفى بنذر "النذيرة" بعدم قص شعره منذ نحو عشرين عاما، وقدم لحراس مركز "ريمون لابورد" الإصلاحي نسخة من قرار صادر عن محكمة الاستئناف الفدرالية للدائرة الخامسة سنة 2017 يقضي بأن قص ضفائر السجناء الراستافاريين يخالف القانون الفدرالي لاستخدام الأراضي الدينية وحماية حقوق الأشخاص المؤسسين، المعروف اختصارا بـ"آر إل يو آي بّي إيه"؛ إلا أن الحارس ألقى بالوثيقة في القمامة قبل أن يثبّت زملاؤه لاندور على كرسي ويتولى ثالث حلق شعره بالكامل. وكتب القاضي نيل غورساتش، في رأي الأغلبية المحافظة، أن هذا القانون لا يسمح بمقاضاة موظفين أفراد لم يوافقوا على الالتزام بمسؤولية شخصية بموجبه، مضيفا أن قبول دعوى لاندور يعني "الاعتراف، للمرة الأولى، بأن مجرد وصول أي مبلغ فدرالي إلى فرد، ولو بشكل غير مباشر، يكفي لتنظيم سلوكه مباشرة بناء على افتراض ضمني بموافقته على هذا التنظيم"، في حين اعتبرت لويزيانا، التي لم تنف سوء معاملة لاندور، أنها عدّلت سياسة تهذيب الشعر في سجونها لتفادي تكرار الواقعة. وفي مقابل ذلك، كتبت القاضية كيتانجي براون جاكسون، في رأي مخالف انضمت إليه القاضيتان سونيا سوتومايور وإيلينا كاغان، أن قرار الأغلبية يجعل سجناء كثيرين "بلا أي سبيل للانتصاف" عند انتهاك حقوقهم الدينية، محذرة من أن موظفي السجون لن يكون لديهم حافز كاف للالتزام بالقانون الفدرالي حتى إن سُلّم لهم نصه مكتوبا بين أيديهم. ويكتسب هذا القرار أهمية خاصة لأنه يمثل حالة نادرة ينحاز فيها التيار المحافظ في المحكمة ضد دعوى ذات طابع ديني، بعد سلسلة من الانتصارات الدينية البارزة شملت قضايا متعلقة بأولياء أمور مسيحيين وبمدرب كرة قدم كان يصلي علنا، وهو تناقض يعكس حرص القضاة المحافظين على التمييز الدقيق بين حماية الممارسة الدينية وتوسيع سلطة القضاء في فرض مسؤولية مالية على موظفين عموميين لم يوافقوا على ذلك صريحا.
معركة قضائية حول كلمة "مورمون": كنيسة الأيام الأخيرة تقاضي ناقدها الأشهر
تخوض كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة معركة قانونية مع جون ديهلين، مؤسس ومقدم بودكاست "مورمون ستوريز" الذي انطلق سنة 2005 وبلغ نحو 2100 حلقة، إذ تقدمت الكنيسة في أبريل 2026 بدعوى قضائية تتهمه فيها بانتهاك حقوق العلامة التجارية وحقوق الملكية الفكرية عبر استخدام اسم "مورمون" وعناصر تصميم بصرية مشابهة لشعارات الكنيسة الرسمية، وهو ما يثير، بحسب الدعوى، التباسا لدى الجمهور قد يقوده لافتراض أن البودكاست منتج رسمي تابع للكنيسة أو معتمد منها. ويُعد ديهلين، الذي طُرد من الكنيسة سنة 2015 بتهمة الردة بعد تبنيه مواقف داعمة لزواج المثليين ولرسامة النساء، أحد أبرز الأصوات الناقدة للمؤسسة الدينية، وقد تحول برنامجه على مر السنين إلى ملاذ للمشككين والمنفصلين عن الكنيسة الذين كانوا يجدون صعوبة في إيجاد فضاء آمن لمناقشة شكوكهم العقدية. والمفارقة اللافتة في هذه القضية أن الكنيسة نفسها أعلنت سنة 2018، على لسان رئيسها الراحل راسل إم نيلسون، أنها تتجه إلى التخلي عن استخدام كلمة "مورمون" في وصف أعضائها، معتبرة أن استمرار استخدام هذا المصطلح يمثل "انتصارا كبيرا للشيطان"، وهو ما دفعها حتى إلى تغيير اسم جوقتها الشهيرة "جوقة المعبد المورموني" إلى "جوقة معبد ساحة الهيكل". ويستند ديهلين، في دفاعه، إلى هذا التراجع الرسمي عن المصطلح ليقول إن احتمال الالتباس بين برنامجه والكنيسة أصبح أضعف اليوم لا أقوى، فيما طالبته الكنيسة، في إطار وساطة استمرت خمسة أشهر، بإضافة تنويه صوتي صريح في مقدمة كل حلقة يوضح عدم الانتماء للمؤسسة الدينية، وهو ما رفضه ديهلين قائلا إنه لا يريد أن تكون رسالته الأساسية مبنية على تعريف ما لا يكون عليه برنامجه. وتشير الدعوى إلى أن الكنيسة سبق أن طلبت من ثلاثة برامج أخرى التخلي عن كلمة "مورمون" في عناوينها خلال الأشهر الماضية، ولم يستجب أي منها، فضلا عن نزاعها السابق سنة 2023 مع الممثلة هيذر غاي بشأن عنوان كتابها "بادمورمون"، الذي تخلت فيه الأخيرة عن محاولة تسجيله كعلامة تجارية. ويرى محللون قانونيون أن الكنيسة لا تستهدف بهذه الدعوى إسكات الانتقادات الموجهة إليها بقدر ما تسعى لحماية علاماتها التجارية وفق ما يقتضيه القانون، إذ إن عدم الدفاع المستمر عن العلامة قد يفضي قانونيا إلى فقدان الحق فيها، في حين يرى مدافعون عن حرية التعبير أن توقيت الدعوى وحدتها يطرحان أسئلة مشروعة حول الدوافع الحقيقية وراءها.
فتوى موريتانية تحسم الجدل حول مصطلح "الديانة الإبراهيمية"
أصدر المجلس الأعلى للفتوى والمظالم في موريتانيا فتوى تنفي وجود ما يسمى "الديانة الإبراهيمية" كصيغة جامعة للأديان السماوية الثلاثة، معتبرا أن الدعوة إلى هذا المفهوم "باطلة ولا معنى لها ولا يجوز السير في ركابها"، مع تأكيده في الوقت نفسه عدم وجود ما يمنع شرعا من التعاون مع "المسالمين من أهل الكتاب" فيما يخدم مصلحة المسلمين والإنسانية جمعاء. وأوضح المجلس أن مصطلح "الديانة الإبراهيمية" استخدمه بعض المستشرقين في النصف الأخير من القرن العشرين للتعبير عن اشتراك الإسلام والمسيحية واليهودية في الإيمان بنبوة إبراهيم عليه السلام، قبل أن يتردد استخدامه في إطار الدعوات إلى ما يعرف بـ"حوار الأديان"، مشيرا إلى أن هذا المصطلح وُظف بحسب الفتوى في مساقات سياسية موصوفة بأنها مغرضة تدعو إلى التطبيع مع المحتلين لبلاد المسلمين. وشدد المجلس على أن الدين الحق عند الله واحد لا ثاني له وهو الإسلام، معتبرا أن كل من لا يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا وبالقرآن إماما فهو كافر، حتى وإن وصف دينه بأنه سماوي أو وُصف هو نفسه بأنه من أهل الكتاب، خاتما بالتأكيد على أن تحريم مزج حقائق الإسلام بما اعتبره تحريفات في اليهودية والمسيحية لا يتعارض مع جواز التعاون مع أهل الكتاب غير المحاربين للمسلمين فيما فيه نفع مشترك. وتأتي هذه الفتوى في سياق نقاش فقهي وسياسي متجدد في عدد من البلدان الإسلامية حول مصطلح "الإبراهيمية"، الذي اكتسب بعدا حساسا في السنوات الأخيرة بفعل ربطه في الخطاب الرسمي لبعض الدول الغربية والإقليمية باتفاقيات التطبيع الدبلوماسي، وهو ما يجعل هذا النوع من الفتاوى يحمل دلالة تتجاوز البعد العقدي الصرف إلى أبعاد سياسية وجيوستراتيجية واضحة.
تحقيق الواشنطن بوست: مديرة الاستخبارات الأميركية السابقة تحت تأثير "غورو"
كشف تحقيق موسع لصحيفة "واشنطن بوست" عن نفوذ مزعوم لقائد روحي على تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية السابقة التي عينها الرئيس دونالد ترامب وأشرفت لمدة خمسة عشر شهرا، بين فبراير 2025 ويونيو 2026، على وكالة الاستخبارات المركزية والمباحث الفدرالية وقرابة خمس عشرة وكالة أخرى. ويستند التحقيق إلى أكثر من 25 ألف صفحة من الوثائق الداخلية التي سلمتها ريبيكا سالتزبيرغ، عضو سابقة في "مؤسسة علم الهوية"، وهي منظمة دينية أسسها كريس بتلر، المرشد الروحي لغابارد، ويصفها عدد من أعضائها السابقين بأنها أقرب إلى جماعة منغلقة فيما تنفي المؤسسة نفسها هذا الوصف. وتعود هذه الوثائق إلى الفترة الممتدة بين 2011 و2017، حين كانت غابارد عضوا في الكونغرس، وتظهر بحسب الصحيفة أن مستشارا غير معروف الهوية كان يصوغ بانتظام توصيات دقيقة بشأن القضايا التي ينبغي الدفاع عنها والنصوص التي يتعين تقديمها وحتى العناصر اللغوية التي تستخدم في المقابلات التلفزيونية، فيما تستند الصحيفة إلى تحليلات لغوية وإشارات شخصية للقول إن بتلر هو على الأرجح صاحب هذه التوصيات، وإن كان أحد المقربين من غابارد، يدعى سونيل خيماني، يؤكد أنه هو من كتب غالبية هذه المذكرات بمساعدة مستشارين آخرين. ولم ترد غابارد بشكل مفصل على هذه الاتهامات، فيما رفض المقربون منها نتائج التحقيق معتبرين أنه يستند إلى شهادة "متذمرة" لموظفة سابقة، ومتهمين الصحيفة بتغذية تحيزات مسبقة تجاه الهندوسية، في حين رفضت "مؤسسة علم الهوية" وبتلر شخصيا الرد على أسئلة محددة دون أن ينفيا صراحة صحة الوثائق. ويبقى ثابتا، مع ذلك، أن غابارد نشأت في كنف هذه المؤسسة في هاواي وكانت تعتبر بتلر مرشدها الروحي، حيث وثقت هذه العلاقة بنفسها في تصريح مصور سنة 2015 بمناسبة فعالية احتفالية لجمعية الوعي الكريشنائي الدولية التي تنتمي إليها، وهي حركة هندوسية تعرف اختصارا بـ"إسكون". ويكتسب هذا التحقيق أهمية خاصة بالنظر إلى المنصب الحساس الذي تقلدته غابارد على رأس جهاز المعلومات الأميركي، إذ يفتح الباب لتساؤلات جدية حول مدى تأثير الانتماءات الروحية الشخصية على القرارات الاستراتيجية لأعلى مسؤولي الاستخبارات في الولايات المتحدة.
كتاب جديد يعيد قراءة جذور الإفخارستيا في اليهودية القديمة
أصدرت دار "ديكليه دو بروور" مؤخرا كتاب الباحث برانت بيتر بعنوان "يسوع والجذور اليهودية للإفخارستيا" في 324 صفحة، يدعو فيه إلى إعادة قراءة العشاء الأخير ومؤسسة سر الإفخارستيا في ضوء السياق اليهودي الذي عاش فيه يسوع الناصري، بعيدا عن أي قراءة تعزل هذه اللحظة عن جذورها المتجذرة في العهد القديم. ويرى بيتر أن فهم هذا الحدث المحوري يستوجب العودة إلى عيد الفصح اليهودي، الذي لا يمثل في الوجدان السامي مجرد استذكار لتحرر بني إسرائيل من العبودية في مصر، بل أيضا تطلعا إلى خلاص جديد مرتبط بانتظار قدوم المسيح المخلّص وانتهاء السيطرة الرومانية على الشرق الأدنى، وهو ما يجعل من عيد الفصح، بحسب المؤلف، الإطار اللاهوتي الضروري لفهم العشاء الأخير الذي تناوله يسوع مع تلاميذه. ويفصّل الكتاب رواية هذا العشاء كما وردت في الأناجيل الثلاثة الأولى، متى ومرقس ولوقا، إلى جانب تعليم بولس الرسول في رسائله، متوقفا بشكل خاص عند الصيغة التي يماثل فيها يسوع الخبز والخمر بجسده ودمه، والتي قد تبدو بديهية للقارئ المعاصر لكنها تحمل، في سياق اليهودية القديمة، دلالة عميقة ترتبط بمنظومة كاملة من التقاليد الدينية المتراكمة. ويخلص بيتر إلى أن المسيحية لم تنشأ عن قطيعة تامة مع اليهودية، بل عن عملية تحول داخلي وإعادة قراءة لرموزها المؤسسة، بما يجعل من المستحيل، في القرن الحادي والعشرين، الإحاطة بشخصية يسوع التاريخية دون ربطها بجذورها اليهودية الأصلية، وهو طرح يعزز اتجاها بحثيا متناميا في الدراسات اللاهوتية المعاصرة التي تسعى إلى تجاوز القراءات التقليدية المنفصلة عن السياق التاريخي والديني الذي نشأت فيه المسيحية الأولى.
نلتقيكم في عدد الغد بإذن الله، ومعه المزيد من الأخبار والتحليلات. كونوا بخير وفي رعاية الله.