السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
من الرباط إلى داكار، ومن باريس إلى أبوظبي ولندن.
نفتتح هذه الحلقة في عزّ موجة حر تاريخية تخنق فرنسا بينما يستعد المسلمون فيها وفي المغرب لصيام عاشوراء، وننتقل إلى الرباط حيث احتفلت بعثة فرسان مالطا بأربعين عاما من التعاون الإنساني مع المملكة، قبل أن نعبر المتوسط إلى أبوظبي التي فازت باستضافة أكبر تجمع متعدد الأديان في العالم. وفي فرنسا، يتجدد الخلاف بين الاستخبارات والحكومة حول "الاختراق الإسلاموي"، بينما تتصدر قضية أستاذ جامعي بليون اتُّهم بمعاداة السامية صفحات الجامعات، وفي بريطانيا تتراجع الشرطة عن تعريف مثير للجدل للإسلاموفوبيا. كما نتوقف عند الجدل الذي أحدثته فيلسوفة فرنسية باستضافتها بيتر ثيل للحديث عن "المسيح الدجال"، وعند طقوس عاشوراء في السنغال بين الكُسكُس والصلاة. فلنبدأ.
أبوظبي تستضيف أكبر تجمع ديني متعدد الأديان في العالم
فازت أبوظبي باستضافة الجمعية العالمية الحادية عشرة لمنظمة "أديان من أجل السلام" في عام 2027، في إنجاز دبلوماسي ودينيّ يُعدّ الأبرز من نوعه لدولة الإمارات العربية المتحدة منذ توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي عام 2019. وتُعتبر الجمعية العالمية لهذه المنظمة، التي تأسست في نيويورك عام 1970، أكبر وأرفع تجمع ديني متعدد الأديان في العالم، إذ لا تنعقد إلا مرة كل خمس إلى سبع سنوات، ولم تستضفها على مدى أكثر من خمسة عقود سوى نخبة محدودة من المدن العالمية الكبرى، من بينها كيوتو اليابانية ولوفان البلجيكية وبرينستون الأمريكية، وكانت آخر دوراتها في مدينة لينداو الألمانية عام 2019.
ويحمل اختيار العاصمة الإماراتية لاستضافة هذه الدورة دلالة سياسية ودينية مزدوجة، إذ يأتي بعد سنوات من استثمار أبوظبي في موقعها كمنصة للحوار بين الأديان، بدءا من زيارة البابا فرنسيس التاريخية إليها في فبراير 2019 وتأسيس "بيت العائلة الإبراهيمية" الذي يجمع مسجدا وكنيسة وكنيسا يهوديا تحت سقف واحد. وبحسب البيان الرسمي الذي نقلته وكالة أنباء الإمارات، فإن فوز أبوظبي باستضافة هذا الحدث العالمي يمثل اعترافا دوليا بالمكانة التي أصبحت تحتلها دولة الإمارات بوصفها منصة عالمية تجمع القيادات الدينية وصناع القرار والمؤسسات الدولية لمعالجة التحديات المشتركة التي تواجه البشرية، من النزاعات المسلحة والتطرف وخطابات الكراهية إلى قضايا الفقر والتغير المناخي والذكاء الاصطناعي.
وتضم منظمة "أديان من أجل السلام"، التي تتمتع بعلاقات مؤسسية واسعة مع الأمم المتحدة وهيئاتها، أكثر من تسعين مجلسا وطنيا وأربعة مجالس إقليمية حول العالم، ما يجعلها أحد أكبر منابر الحوار بين الأديان التوحيدية وغير التوحيدية على الإطلاق. ويأتي هذا الإنجاز في وقت تتصاعد فيه التوترات الدينية والطائفية في أكثر من منطقة من العالم، من الحرب في إيران إلى الجدل حول الإسلاموفوبيا في بريطانيا الذي نتناوله في هذه الحلقة، مما يضع على عاتق استضافة كهذه رهانا حقيقيا: تحويل الخطاب الدبلوماسي حول "التعايش" إلى آليات عملية للوساطة بين الأديان في زمن تتكاثر فيه بؤر التوتر الديني والهوياتي حول العالم.
«فخورون بأن نكون في بلد أمير المؤمنين»: فرسان مالطا يحتفلون بأربعين عاما من العلاقات مع المغرب
احتفلت السفارة الكاثوليكية لمنظمة فرسان مالطا في الرباط، الثلاثاء 23 يونيو 2026، بمرور أربعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية والمنظمة الإنسانية ذات السيادة المعترف بها في القانون الدولي، في حفل تذكاري ضمّ عددا من السفراء المعتمدين بالرباط وشخصيات من العالمين الأكاديمي والثقافي والجمعوي. وترأس الحفل سفير المنظمة لدى المغرب جوليان-فينسنت برونيي (Julien-Vincent Brunie)، الذي استعرض أربعة عقود من التعاون المتواصل في مجالات العمل الإنساني والصحة ومرافقة الفئات الأكثر هشاشة.
وفي تصريحات لموقع "Le360"، أوضح السفير برونيي أن هذا التعاون انطلق منذ توقيع الاتفاق الرسمي عام 1986 بإحداث مركز تكوين في مهن الإسعاف والإغاثة الطبية، قبل أن يتوسع تدريجيا ليشمل عدة مجالات صحية، من أبرزها التكفل بالأمراض النادرة وإدخال أولى المعدات الطبية المخصصة لجراحة الساد بالمغرب. وقال السفير في تصريح يلخص فلسفة المنظمة الكاثوليكية التي تأسست منذ قرابة ألف عام: "الأمر الذي يجمعنا هو خدمة الفئات الأكثر هشاشة ومرافقة المرضى، أيا كانت قناعاتهم أو انتماءاتهم". وأضاف أن المنظمة، التي تصف نفسها بأنها كيان كاثوليكي ذو سيادة دولية، تمارس عملها الإنساني والطبي دون تمييز على أساس الأصل أو الدين أو الوضع الاجتماعي، في رسالة تحمل بعدا رمزيا واضحا حول التعايش الديني داخل المملكة.
واللافت في كلمة السفير المالطي هو التوصيف الذي استخدمه لوصف المغرب، حيث عبّر عن فخره بممارسة مهمته الدبلوماسية في "بلد أمير المؤمنين"، مشيدا بالعمق التاريخي والروحي للمملكة، التي يرأس عاهلها الملك محمد السادس المجلس العلمي الأعلى بصفته أميرا للمؤمنين. ويُبرز هذا التصريح، الصادر عن دبلوماسي يمثل كيانا كاثوليكيا عريقا، الكيفية التي تُستثمَر بها المؤسسة الدينية الرسمية المغربية كمرجعية تُطمئن الشركاء الدوليين من خلفيات دينية متنوعة، في وقت تركز فيه برامج التعاون الحالية على الصحة الأمومية والوليدية، وعلى وجه الخصوص طب حديثي الولادة والتكفل بالألم عند الطفل ونقل الرضع الخُدّج المرضي. ويأتي هذا التتويج الرمزي في سياق إقليمي يشهد تنافسا متزايدا بين الفاعلين الدوليين على بوابات التعاون الديني والإنساني مع المغرب، من الفاتيكان إلى مجلس الحكماء المسلمين، ما يجعل من العلاقة المغربية المالطية نموذجا قديما يستمر في التجدد بعيدا عن الأضواء.
في خِضَمّ موجة حر تاريخية تخنق فرنسا، عاشوراء يجمع المسلمين بين الصيام والذكرى
أحيا المسلمون في فرنسا والجزائر والسعودية يوم الخميس 25 يونيو 2026 ذكرى عاشوراء، اليوم العاشر من شهر محرم وفق إعلان اللجنة الدينية لجامع باريس الكبير، في حين يُحييها المغرب وموريتانيا يوم الجمعة 26 يونيو بسبب اختلاف رؤية هلال محرم بين البلدين. ويحمل هذا اليوم في التقليد الإسلامي دلالتين متمايزتين تماما: فبالنسبة للسنّة، يرتبط بصيام تطوّعي مستحب تأسيسا على حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي ربط الجزاء بتكفير ذنوب السنة الماضية، تخليدا لنجاة النبي موسى عليه السلام وبني إسرائيل من فرعون، أما بالنسبة للشيعة، فهو يوم حزن عميق يستعيد ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي، حفيد النبي، في معركة كربلاء سنة 680 ميلادية على يد جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية.
ويُجسّد هذا التباين الطائفي أحد أبرز نقاط الافتراق بين المذهبين، حيث تتحول الذكرى عند الشيعة إلى مناسبة للنحيب الجماعي والمواكب التذكارية وقراءة سيرة "أهل البيت"، بينما تأخذ صبغة احتفالية لدى السنّة تتمحور حول الصيام والصدقة وتلاوة القرآن، مع طقوس شعبية متنوعة تختلف من بلد إلى آخر. ويوصي علماء السنّة بصيام التاسع والعاشر من محرم معا، أو إضافة اليوم الحادي عشر، تمييزا عن ممارسة أهل الكتاب الذين كانوا يصومون اليوم العاشر فقط، وذلك بحسب ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه في صحيح مسلم.
ويتقاطع هذا العام الحدث الديني مع أزمة مناخية غير مسبوقة تضرب فرنسا، حيث وصل الخميس 24 يونيو إلى مرتبة اليوم الأشد حرارة في تاريخ البلاد، بمتوسط حراري وطني بلغ 29.9 درجة مئوية متجاوزا الرقم القياسي السابق المسجل في 25 يوليوز 2019 و5 غشت 2003، وفق ما أعلنته إدارة الأرصاد الفرنسية (Météo-France). وقد وُضعت 72 محافظة فرنسية تحت التنبيه الأحمر للموجة الحارة يوم 25 يونيو، وهو رقم غير مسبوق منذ إحداث هذا المستوى من التنبيه، ليصل عدد المتأثرين بالتنبيهات الحمراء والبرتقالية إلى أكثر من 51 مليون فرنسي، أي أكثر من ثلاثة أرباع سكان البلاد. وتأتي هذه الموجة الحارة في وقت يصوم فيه آلاف المسلمين الفرنسيين يوم عاشوراء، ما يضع البعد الجسدي للعبادة في مواجهة مباشرة مع تحديات مناخية متفاقمة سنويا، ويفرض تساؤلات متجددة حول كيفية تكيّف الممارسة الدينية مع تغيرات مناخية بات معدل تكرارها وحدتها يتجاوز كل التوقعات السابقة.
في مساجد مكتظة ومحتقنة بفعل الصهد، صلاة الجمعة تخضع لترتيبات استثنائية في فرنسا
في ظل موجة حر وصفها بنوا توميه (Benoît Thomé)، مدير العلاقات المؤسسية في إدارة الأرصاد الفرنسية، بأنها "ذات شدة استثنائية، على مستوى مماثل على الأقل لموجة 2003" التي خلّفت أكثر من 14 ألف وفاة في فرنسا وحدها، أصدر رئيس جامع باريس الكبير شمس الدين حفيظ بلاغا رسميا يدعو فيه القائمين على المساجد والإمامين إلى اتخاذ تدابير استثنائية تتكيف مع الظرفية المناخية الحادة. وجاء في البلاغ، الذي استند إلى السنة النبوية في التعامل مع الحر الشديد: "نبيّنا، صلى الله عليه وسلم، كان يوصي بتأخير صلاة الظهر إلى أن تخفّ شدة الحر"، وذلك تطبيقا لمبدأ "الإبراد" المعروف في الفقه الإسلامي.
ودعا البلاغ، الذي استشهد بالآية القرآنية "يريد الله أن يخفف عنكم"، القائمين على دور العبادة إلى ضمان تهوية جيدة لقاعات الصلاة، وتوفير الماء لفائدة المصلين، والحرص على برودة فضاءات الاستقبال، معتبرا أن هذه التدابير "تجسّد روح الإسلام نفسها: دين القياس والرحمة والتمييز، المهتم في كل الأحوال بكرامة الإنسان وحياته". وتُعد هذه الدعوة استثنائية من حيث طابعها الرسمي والعلني، إذ نادرا ما تتدخل المؤسسة الدينية الفرنسية بهذا الشكل المباشر في تنظيم الممارسة الطقسية استجابة لظرف مناخي طارئ، وهو ما يعكس حجم الأزمة الصحية العامة التي ترافق هذه الموجة الحارة.
ووصلت الحرارة في عدد من المدن الفرنسية، بحسب صحيفة لو باريزيان، إلى مستويات قياسية بلغت 41.5 درجة في فان (مقاطعة موربيان)، و41.4 درجة في بواتييه، و40.7 درجة في بياريتز، فيما تجاوزت أكثر من خمسين محافظة فرنسية عتبة الأربعين درجة منذ بداية الموجة. وقد بادرت السلطات الصحية إلى تخصيص خط أخضر مجاني للمعلومات حول الموجة الحارة، في وقت تتوقع فيه الأرصاد الجوية بداية انحسار نسبي للحرارة من جهة الواجهة الأطلسية ابتداء من مساء الخميس، مع استمرار الأجواء الخانقة في الشرق والوسط حتى نهاية الأسبوع. ويُجسّد هذا التزامن بين الذروة المناخية وصلاة الجمعة الجامعة بُعدا رمزيا مزدوجا: فهو يضع المؤسسات الدينية الفرنسية في موضع مسؤولية مباشرة عن سلامة المصلين، ويفتح في الوقت نفسه نقاشا أوسع حول قدرة البنية التحتية الدينية، من تهوية وتكييف، على مواكبة تسارع التغير المناخي في السنوات المقبلة.
«جهاز ضبط الاستخبارات» يتحفظ على توسيع تقنيات التجسس في مواجهة «الاختراق الإسلاموي»
تتجدد المواجهة المؤسسية بين وزارة الداخلية الفرنسية واللجنة الوطنية لمراقبة تقنيات الاستخبارات (CNCTR)، التي توصف غالبا بـ"جهاز ضبط" الاستخبارات الفرنسية، حول مسألة توسيع استخدام تقنيات التجسس الإلكتروني في مواجهة ما يُعرف بـ"الاختراق الإسلاموي" (entrisme islamiste)، وذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من تسلل التيارات الإسلاموية إلى الحياة السياسية المحلية قبل الانتخابات البلدية لمارس 2026. وتُصرّ اللجنة، وفق ما كشفته تحقيقات صحفية متعددة، على أن استخدام تقنيات الرصد الإلكتروني لا يمكن توسيعه إلى غايات لا ينص عليها القانون صراحة، فيما يرى وزير الداخلية لوران نونيز أن هذا التفسير التقييدي يُعيق جهود مكافحة الظاهرة، خصوصا على مستوى الجماعات المحلية والبلديات.
وتعود جذور هذا الخلاف إلى السياق التشريعي الذي تلا موجة الهجمات الإرهابية في فرنسا عامي 2015 و2016، حين شرعت الدولة منذ 2017 في بناء ترسانة قانونية لمكافحة ما تسميه "الانفصالية" الدينية، عبر قوانين خوّلت للولاة إغلاق دور العبادة المرتبطة بالتطرف العنيف وفرض تدابير إدارية فردية للمراقبة. ولأن مفهوم "الاختراق" يظل، بخلاف "الإرهاب" أو "الانفصالية"، غير محدد قانونيا بدقة، فإن أي توسّع في صلاحيات الاستخبارات لمواجهته يصطدم بمبدأ التناسب الذي تحرص اللجنة على ضمانه، خشية أن يؤدي أي تجاوز قضائي إلى طعون أمام المحاكم وإلى المساس بالحقوق الأساسية للأفراد.
ويأتي هذا التوتر في أعقاب تقرير لجنة تحقيق برلمانية نُشر في ديسمبر 2025 تحت عنوان "مكافحة الإسلاموية السياسية: ضرورة الصحوة الجمهورية"، والذي خلص، على لسان رئيسها كزافييه بروتون والمقرر ماتيو بلوش، إلى عدم وجود "روابط بنيوية قابلة للإثبات حتى الآن بين الأحزاب السياسية والحركات الإسلاموية"، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى وجود "روابط ظرفية وانتخابية" مع بعض منتخبي اليسار الراديكالي. وأوصى التقرير، من بين 32 توصية، بـ"تعزيز قدرات عمل أجهزة الاستخبارات" وتشديد الرقابة على تمويل الجمعيات، وهو السياق الذي يفسر التصعيد الحالي بين الوزارة واللجنة. ويُجسّد هذا الجدل إشكالية أعمق تواجهها الديمقراطيات الأوروبية: كيف يمكن التوفيق بين متطلبات الأمن الداخلي وحماية الحريات الفردية والدينية، دون الانزلاق نحو وصم جماعي للمسلمين الذين يمثلون، كما تؤكد التقارير الرسمية نفسها، الغالبية العظمى التي لا تنخرط في أي منطق انفصالي أو سياسي إسلاموي.
فيلسوفة الأكاديمية الفرنسية تستضيف بيتر ثيل للحديث عن «المسيح الدجال» وسط جدل حول «حملتها الرجعية»
أثارت الفيلسوفة الفرنسية شانتال دلسول (Chantal Delsol)، رئيسة أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية الفرنسية سابقا والعضو فيها منذ 2007، جدلا واسعا في الأوساط الفكرية الفرنسية بعد استضافتها رجل الأعمال الأمريكي الليبرتاري بيتر ثيل، مؤسس "باي بال" (PayPal) والداعم التاريخي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للحديث عن موضوع "المسيح الدجال" (الأنتيكرايست) في إطار مجموعة عمل تُشرف عليها الفيلسوفة حول "مستقبل الديمقراطية" داخل الأكاديمية المرموقة. وتُعد دلسول، الموصوفة بأنها "ليبرالية محافظة" و"فيدرالية" كاثوليكية الهوى، من أبرز الأصوات الفكرية في فرنسا منذ مطلع الألفية، حيث أسست معهد حنا أرندت عام 1993 وعملت محررة رأي في صحيفة "فالور أكتويل" (Valeurs actuelles) المحسوبة على اليمين المحافظ.
ويكتسب استدعاء بيتر ثيل، رجل الأعمال المعروف بتأثيره الكبير في دوائر اليمين الأمريكي وتقاطعاته مع خطابات نهاية العالم الدينية، إلى أكاديمية مرموقة كهذه دلالة رمزية مزدوجة: فهو يعكس تنامي تقارب بين أوساط فكرية أوروبية محافظة وتيارات يمينية أمريكية ذات منطلقات دينية أو شبه دينية، في وقت يشهد فيه الخطاب السياسي الغربي عودة لافتة لمفاهيم أبوكاليبتية ودينية إلى صلب النقاش العمومي حول مستقبل الديمقراطيات الليبرالية. وقد وُصفت هذه الخطوة من قِبل منتقدين بأنها تأتي في سياق ما اعتبروه "حملة رجعية" تقودها دلسول من داخل مؤسسة فكرية عريقة تأسست في عهد نابليون بونابرت، عبر منصات متعددة من قاعات الأكاديمية إلى أعمدة الصحف اليومية.
ويُسلّط هذا الجدل الضوء على ظاهرة أوسع تتجاوز الحالة الفرنسية، تتمثل في تسييس الخطاب الديني والأبوكاليبتي داخل دوائر النخبة الفكرية الغربية، حيث تتقاطع أحيانا الهواجس اللاهوتية حول "الزمن الأخير" مع رؤى سياسية متشككة في الديمقراطية الليبرالية ذاتها. وبصرف النظر عن الموقف الذي يتخذه المرء من هذا التقارب، فإن وجود رجل أعمال تقني أمريكي يُحاضر في موضوع لاهوتي مسيحي صميم داخل أعرق مؤسسة فكرية فرنسية يُمثل مؤشرا لافتا على كيفية اختراق الخطاب الديني الأبوكاليبتي لفضاءات لم تكن تقليديا منفتحة عليه، وعلى الروابط المتنامية بين بعض أوساط اليمين الفكري الأوروبي وتيارات يمينية دينية في الولايات المتحدة.
حرب إيران تدخل شهرها الرابع: كيف يعيد النظام بناء شرعيته القومية وسط الأنقاض
دخلت الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي بدأت في 28 فبراير 2026 باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، أشهرها الأخيرة وسط مفاوضات هشة أعقبت اتفاقا وقّعه الرئيسان دونالد ترامب ومسعود بزشكيان في 17 يونيو 2026، يتضمن مهلة ستين يوما للتفاوض على برنامج إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات وخطة إعادة بناء. وقد خلَّف هذا الصراع، الذي سبقته احتجاجات شعبية ضخمة منذ 28 ديسمبر 2025 احتُسبت ضحاياها بعشرات الآلاف بحسب منظمات حقوقية، إيرانَ منهكة اقتصاديا ومجتمعيا، لكنّ النظام الإسلامي نفسه أظهر قدرة لافتة على التماسك، إذ عُيّن مجتبى نجل خامنئي مرشدا أعلى جديدا خلال أيام من اغتيال والده، في خطوة وصفها مراقبون بأنها كشفت عن "استقرار النظام وعزم المتشددين" في مواجهة الحرب.
ويرى محللون في مراكز بحثية غربية، من بينها مجلس الأطلسي، أن الزخم الشعبي الذي رحّب في البداية باغتيال خامنئي وتوقّع سقوط النظام بدأ يتراجع تدريجيا مع استمرار الحرب وتدمير منشآت نفطية وتراثية، حيث بات بعض الإيرانيين يتساءلون "عن مدى استعدادهم للتضحية من أجل إيران حرة، وعما إذا كان النظام الذي أثبت حتى الآن قدرة على البقاء سيسقط فعليا، أو أن كل ما فعلته الحرب هو استبدال خامنئي بخامنئي آخر". ويُعد هذا التحول المزاجي مؤشرا على الديناميكية القومية المعقدة التي يستثمرها النظام الإيراني، حيث يحاول تحويل العداء الخارجي إلى عامل تعبوي داخلي يلتفّ حوله حتى بعض من لا يتفقون مع سياساته.
ويصف الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هاس الاتفاق الأخير بأنه "انتصار ضخم لإيران"، مستندا إلى فشل الولايات المتحدة في إسقاط الحكومة الإيرانية، واحتفاظ طهران بترسانتها من الصواريخ والمسيّرات، وتأجيل الملف النووي، واستمرار قدرتها على دعم شبكة حلفائها الإقليميين، في حين وصفت الدبلوماسية الأمريكية السابقة سوزان رايس مذكرة التفاهم بأنها "وثيقة استسلام مروّعة". ويحمل هذا التطور دلالة بالغة الأهمية لمستقبل المنطقة بكاملها: فهو يُظهر أن الحرب، رغم قسوتها غير المسبوقة على المدنيين، لم تُفلح حتى الآن في زعزعة الأساس الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية، بل ربما أعادت، من خلال خطاب القومية والمقاومة، شحن جانب من شرعيتها الداخلية، وهو ما يضع علامات استفهام جوهرية حول فعالية استراتيجيات "تغيير النظام" بالقوة العسكرية في الأنظمة ذات الجذور الأيديولوجية العميقة.
بعد ضجة «قانون التجديف»: الشرطة البريطانية تتراجع عن تجريم انتقاد الإسلام
تراجعت شرطة جنوب ويلز (South Wales Police) عن تطبيق توجيه داخلي كان يُلزم ضباطها بتسجيل المحادثات التي تتجاوز ما تعتبره الشرطة "نقاشا مشروعا" حول الإسلام، بوصفها حوادث "عداء" تجاه المسلمين، بعد تهديد قانوني من منظمة "اتحاد حرية التعبير" (Free Speech Union) برفع دعوى مراجعة قضائية. وجاء هذا التراجع، الذي وصفه اللورد توبي يونغ، رئيس الاتحاد، بأنه "انتصار لحرية التعبير"، بعد أن تبنّت الشرطة في مارس 2026 تعريف الحكومة البريطانية الرسمي لـ"العداء المعادي للمسلمين"، ثم أضافت إليه صياغة خاصة بها اعتُبرت أكثر تقييدا لحرية التعبير من النص الحكومي نفسه.
وأوضحت المحامية في الاتحاد، في رسالتها الموجهة للشرطة، أن التوجيه المثير للجدل "يُنشئ تأثيرا ترهيبيا غير مبرر على حرية التعبير المشروع والاعتقاد"، مضيفة أن الأفراد "يُحجمون عن التعبير عن آرائهم الدينية أو الفلسفية أو السياسية... بسبب علمهم بأن القيام بذلك قد يؤدي إلى تصنيفهم وتسجيلهم من قِبل الشرطة كحادثة عداء"، وهو ما قد يؤثر سلبا على فرص توظيفهم مستقبلا عبر سجلات "الفحص المسبق للوظائف". وقد أكدت متحدثة باسم شرطة جنوب ويلز أن المؤسسة "تُجمّد" تبني هذا التعريف "بانتظار توجيهات من المجلس الوطني لرؤساء الشرطة"، بعد مشاورات داخلية.
وتأتي هذه الواقعة في خضم نقاش بريطاني محتدم حول حدود مفهوم "الإسلاموفوبيا"، الذي أعادت الحكومة تسميته رسميا إلى "العداء المعادي للمسلمين" (anti-Muslim hostility) في مارس 2026، بعد أن وُجِّهت إليه انتقادات من نواب محافظين، من بينهم نائب وزيرة العدل في ظل الحكومة المعارضة، نيك تيموثي، الذي رفض في جلسة استجواب بمجلس العموم البريطاني يوم 24 يونيو 2026 المساواة بين الانتماء الديني والهوية العرقية، قائلا إن "هذا ما هو خاطئ في تعريف الإسلاموفوبيا، فهو يُستخدم بالفعل لإسكات حرية التعبير". وفي المقابل، وصفت وزيرة المساواة بريجيت فيليبسون تصريحاته بأنها من بين "الأمثلة المروعة" على استهداف المسلمين البريطانيين بسبب دينهم. ويُجسّد هذا التجاذب السياسي والقانوني إشكالية بنيوية يصعب حلها بسهولة: كيف تضع الدول الأوروبية حدا فاصلا بين حماية الأقليات الدينية من خطاب الكراهية الحقيقي، وبين الحفاظ على هامش واسع لحرية النقد والنقاش حول الدين، في وقت تتزايد فيه حساسية هذا الملف سياسيا قبل أي استحقاق انتخابي.
أستاذ جامعي بليون يُحرم من التدريس 18 شهرا بعد نشره «لائحة صهاينة مجرمين حرب»
قضت اللجنة التأديبية بجامعة ليون 2 (Lumière Lyon-II) الفرنسية بمنع الأستاذ المتخصص في التاريخ الوسيط، جوليان تيري (Julien Théry)، من التدريس لمدة ثمانية عشر شهرا مع وقف صرف راتبه، بعد أن خلصت اللجنة إلى ثبوت "إخلاله بواجب الكرامة والتحفظ والقدوة" و"إساءته لصورة الجامعة وسير عملها". وتعود القضية إلى منشور نشره الأستاذ في 20 سبتمبر 2025 على صفحته في "فيسبوك"، يتضمن لائحة بعنوان "عشرون صهيونيا مجرم حرب يجب مقاطعتهم في كل الأحوال"، شملت شخصيات إعلامية وفنية فرنسية من أصل يهودي، رفقة صورة تحمل، بحسب الجامعة، صورا نمطية معادية للسامية.
وقد أوضحت إدارة جامعة ليون 2، في بيان سابق صدر عند تعليق الأستاذ احتياطيا في ديسمبر 2025، أن "مضمون التصريحات والصورة التي نشرها لا يتوافق مع قيم الجمهورية والجامعة"، مشيرة إلى أنها رفعت بلاغا إلى النيابة العامة بشأن الواقعة بالتزامن مع الإجراء التأديبي الداخلي. وقد أيّدت نقابتا "السي جي تي" و"سود التربية" بفرع ليون 2 الأستاذ تيري في بيان مشترك، في حين شهدت القضية ردود فعل سياسية واسعة، من بينها تنديد عمدة مدينة ليون غريغوري دوسي بما وصفه بـ"منشور غير لائق ذي روائح كريهة"، مما يعكس حساسية القضية على المستوى المحلي والوطني.
وتأتي هذه القضية في سياق احتقان متصاعد بالجامعات الفرنسية حول حدود التعبير السياسي بشأن الصراع في غزة، حيث تتشابك خطوط النقد السياسي لإسرائيل مع مخاطر الانزلاق نحو خطاب معادٍ للسامية يستهدف الهوية الدينية بدل السياسة الحكومية، وهي تخوم يصعب على المؤسسات الأكاديمية الفصل فيها دون إثارة جدل حاد حول حرية التعبير الأكاديمي من جهة، وحماية الطلبة والأساتذة اليهود من خطاب الكراهية من جهة أخرى. ويُمثل قرار اللجنة التأديبية، بحرمان الأستاذ من التدريس مع وقف الراتب لمدة طويلة نسبيا، إشارة واضحة من الجامعة الفرنسية إلى أنها تعتبر الخط الفاصل بين النقد السياسي ومعاداة السامية قد تم تجاوزه بوضوح في هذه الحالة، في وقت تتابع فيه الجامعات الفرنسية الأخرى هذه السابقة القضائية باهتمام بالغ.
بين الكُسكُس والصلاة: السنغاليون يُحيون عاشوراء بطقوس عائلية راسخة
احتفل السنغاليون مساء الخميس 25 يونيو 2026 بليلة عاشوراء، المعروفة محليا بـ"تامخاريت" (Tamkharit)، في مشهد جمع بين الحمية الدينية والتقليد العائلي الراسخ الذي يتمحور حول وجبة الكُسكُس الجماعية. وفي سوق "غران يوف" بدكار، شهدت الأسواق ازدحاما لافتا في ساعات ما قبل المساء، إذ ارتفع الطلب على الخضر واللحوم والمكونات اللازمة لتحضير الكُسكُس، الطبق الذي لا تخلو منه أي مائدة سنغالية في هذه الليلة. وقالت فاتو سامبي، أستاذة في إعدادية بدكار: "هذا العام أيضا، ستجتمع كل العائلة عند والدتي. لدينا عادة تحضير كمية كبيرة من الكُسكُس نتقاسمها مع الجيران والأقارب، والأطفال يترقبون هذه الليلة بفارغ الصبر".
وتعكس هذه الليلة، إلى جانب بعدها الاحتفالي، عمقا روحيا لا يقل أهمية، حيث أوضح الشيخ موسى كان، معلم قرآني، أن جانبا كبيرا من السهرة يُخصَّص للدعاء وتلاوة القرآن، معتبرا أن "كثيرا من المؤمنين يستغلون هذه الليلة لمضاعفة الدعوات وأعمال التقرب إلى الله، والبعد الروحي يظل أساسيا لفهم معنى هذا الاحتفال". وقد أكدت ماريا سو، ممرضة في مرفق صحي عمومي، أنها ستخصص جزءا من الليلة لجلسة تلاوة قرآنية جماعية مع أقاربها، في عادة تتكرر سنويا منذ سنوات.
وتُبرز شهادات السنغاليين، من الدار البيضاء إلى رفيسك وغيدياواي، البعد الاجتماعي العميق لهذا الاحتفال الذي يتجاوز حدود الأسرة النووية ليشمل الجيران والأقارب القادمين من مدن مختلفة، في مشهد يُعيد التأكيد على وظيفة الدين كرابط اجتماعي يتجاوز الانتماء الطائفي الضيق، حتى بالنسبة لمن لا يشاركون بالضرورة في الاحتفال بالطريقة نفسها. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة الحضرية وتنشغل فيه الأجيال الشابة بالعمل والدراسة، تظل عاشوراء، بحسب شهادات عدة شباب سنغاليين، فرصة سنوية لإعادة التواصل مع الأسرة الممتدة والتفكير في "ما هو مهم فعلا"، في مفارقة لافتة بين تقليد ديني قديم ووسائل تواصل حديثة، حيث باتت "مجموعات واتساب" عائلية أداة أساسية لتنظيم لوجستيات هذه الليلة دون أن تحل محل الاجتماع الفعلي حول مائدة واحدة.
نلتقيكم في الحلقة المقبلة بإذن الله، وإلى ذلك الحين، نسأل الله أن يحفظكم ويُلهمكم الصبر والتقوى في هذه الأيام المباركة من شهر محرم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.