السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء،
هذه هي «نشرة سُبْحة» لليوم، مع زاوية تحليلية هادئة حول تحولات الحقل الديني في المغرب والعالم. أهلا بكم في عدد يركز على تديين المشاعر، إمارة المؤمنين، تدبير الحقل الديني، وتقاطعات الدين مع السياسات العمومية والجدل العمومي.
رفيقي يفكك آليات "تديين المشاعر" .. من بناء الهوية إلى صناعة العدو
تديين المشاعر وخطاب الكراهية المقدس
يتناول محمد عبد الوهاب رفيقي، السلفي السابق والباحث في الفكر الديني، ما يسميه «خطاب الكراهية المقدَّس» بوصفه نتاجاً لبنية دينية تُحوّل المشاعر الإنسانية الطبيعية إلى واجب تعبدي، حيث يصبح الحب والكره جزءاً من منظومة الإيمان لا مجرد إحساس إنساني. يربط رفيقي هذه الآلية بعملية بناء الهوية في البيئات الدينية المغلقة؛ إذ يبدأ التشكيل من خلال استثارة مشاعر الحب والانتماء، قبل الانتقال إلى رسم حدود الهوية عبر سؤال «من نحن؟ ومن الذي ينتمي إلينا ومن هو خارج أفقنا؟» بما يفضي إلى إنتاج «الآخر» بوصفه خصماً أو عدواً دينياً.
يبرز النص كيف تُغذّي خطب الجمعة، وبعض ممارسات التعليم الديني، والبيئات التنظيمية المتشددة، هذا الانتقال من الانتماء العاطفي إلى العداء الديني المُمأسس، بحيث يجد الفرد نفسه ملزماً بكراهية أشخاص لا يعرفهم شخصياً، فقط بناء على تصنيفاتهم العقدية أو السياسية أو الثقافية. يلفت رفيقي إلى التوتر الذي يعيشه المؤمن عندما يختبر في الواقع أخلاقاً إيجابية لدى من صُنِّفوا «أعداء للدين»، مقابل خطاب ديني يطالبه بعداوتهم باسم القربة إلى الله، ما ينتج حالة ارتباك وجداني وحاجة ملحّة إلى مراجعة علاقة الإيمان بالمشاعر الإنسانية. من زاوية الحقل الديني، تفتح هذه المقاربة نقاشاً حول مسؤولية المؤسسات الدينية في ضبط خطاب الكراهية، وإعادة الاعتبار للأخلاق الإنسانية المشتركة كجزء من التدين، وليس نقيضاً له.
دراسة تبرز تكامل إمارة المؤمنين والمذهب المالكي في الاستقرار المغربي
البنية الدستورية والمالكية والأمن الروحي
تؤكد دراسة الباحث عبد الرحيم حمانة أن النموذج الديني المغربي يستمد جزءاً كبيراً من استقراره من التكامل العضوي بين مؤسسة إمارة المؤمنين والمذهب المالكي، بوصفهما ركيزتين تاريخيتين ودستوريتين لهوية البلاد الدينية والسياسية. تُبرز الدراسة مكانة إمارة المؤمنين كمؤسسة تجمع بين الشرعية الدينية والوظيفة السياسية، مع دسترة هذا الدور بما يتجاوز البعد البروتوكولي إلى الإمامة الدينية والرعاية الروحية، في إطار مرجعية مالكية تشكل العمود الفقري للفقه المعتمد في المغرب منذ قرون.
يشير البحث إلى أن خارطة الطريق الدينية التي رسّخها الملك محمد السادس تقوم على ثلاث ثوابت: المذهب المالكي، العقيدة الأشعرية، والتصوف السني، ما يجعل إمارة المؤمنين حارساً لهذه المنظومة في مواجهة التيارات الوافدة وأشكال التطرّف الديني. كما يسلّط الضوء على البعد العملي للتكامل من خلال تدبير القضايا الفقهية المعاصرة، مثل المالية الإسلامية وإفتاء الأقليات المسلمة، عبر تفاعل بين المؤسسة الملكية والمجالس العلمية لتقديم اجتهادات تستجيب لمتطلبات العصر دون الإخلال بالثوابت. من زاوية السياسات العمومية الدينية، يُعاد تقديم إمارة المؤمنين هنا كأداة لضبط الأمن الروحي، وتأطير الحقل الديني، وتعزيز حضور المغرب الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء عبر بناء المساجد وتأهيل الأطر الدينية، في سياق تنافس إقليمي على النفوذ الروحي والرمزي.
لماذا أقلقت مآذن ألمانيا ميركل؟ وماذا قالت؟
مآذن أوروبا بين الهوية والجدل العمومي
يعيد المقال المنشور في الجزيرة نت فتح النقاش الألماني والأوروبي حول وجود المآذن في الفضاء العام، من خلال تناول تصريحات أنجيلا ميركل السابقة وحساسيات جزء من الرأي العام تجاه الرموز الإسلامية المعمارية. يقدّم النص المآذن بوصفها أكثر من مجرد عنصر معماري؛ فهي علامة هوية وحضور ديني في المجال العام، تغدو محلاً للتجاذب بين من يرى فيها توسعاً ثقافياً مهدِّداً للهوية الوطنية، ومن يعتبرها تجسيداً لحرية الدين والتعددية الثقافية المنصوص عليها في الدساتير الأوروبية.
يستثمر الكاتب نقاش ميركل حول «الاندماج» وحدود التسامح مع التعددية ليظهر كيف يُستدعى العامل الديني في الجدل حول الهجرة، الأمن، والعلمانية، حتى وإن كان موضوع النقاش تقنياً يتعلق بالتخطيط العمراني أو الضوضاء. من زاوية مراقبة خطاب الإسلام في أوروبا، يلفت المقال إلى أن المآذن تتحول في كثير من الأحيان إلى «شاشة إسقاط» لمخاوف أعمق مرتبطة بالتحولات الديمغرافية وبصعود التيارات الشعبوية، ما يستدعي مقاربات نقدية تقارب الفضاء الديني كجزء من سياسات المدينة، وليس فقط كملف ديني أو أمني.
هل يأمر القرآن بالاحتكام إلى كتبٍ محرَّفة؟
جدل النصوص المؤسسة والعلاقة مع الكتب السابقة
يتناول المقال سؤالاً عقدياً ولاهوتياً دقيقاً حول ما إذا كان القرآن يأمر بالاحتكام إلى كتب تُوصَف في بعض الأدبيات بأنّها محرَّفة، في إشارة إلى التوراة والإنجيل كما يتداوله المسلمون في سياق الحوار الديني. ينطلق النقاش من الآيات التي تحيل إلى «الكتاب» عند أهل اليهود والنصارى، ويحاول تفكيك دلالات الاحتكام، هل هو إلى النص الأصلي المنزل، أم إلى ما بين أيدي أهل الكتاب اليوم، مع استحضار تقليد إسلامي طويل يرى أن التحريف طال بعض مضامين هذه الكتب لا أصلها بالكامل.
يعمل المقال على إعادة صياغة الإشكال في إطار منضبط، بحيث يميّز بين الاحتكام المعرفي إلى الرسالات السابقة، باعتبارها استمراراً لوحدة الوحي، وبين الاحتكام التشريعي المباشر، الذي يربطه الفقه الإسلامي بالقرآن والسنة كما فُهما في المدارس السنية الكلاسيكية. في خلفية هذا النقاش، يظهر عمق الرهان على ترقية خطاب الحوار بين الأديان من جهة، مع الحذر من القراءات التي توظف الآيات لتبرير القطيعة الكاملة أو الانغلاق اللاهوتي؛ وهو ملف يهم الحقل الديني المغربي بحكم انخراطه في مبادرات الحوار الدولي مع الكنائس والكنس والمؤسسات الدينية الأخرى.
شبهات فساد بـ"محاربة الأمية" في المساجد
البرامج الاجتماعية داخل المساجد بين الحكامة والشفافية
تسلّط المادة المنشورة في «الأخبار» الضوء على شبهات فساد مرتبطة ببرامج محاربة الأمية داخل عدد من المساجد، عبر التركيز على اختلالات مزعومة في تدبير الموارد المالية والبشرية الموجهة لهذه البرامج. تطرح المقالة أسئلة حول آليات اختيار المستفيدين والمؤطرين، وشفافية العقود، وكيفية مراقبة صرف الاعتمادات، في سياق يقدَّم فيه الحقل الديني كمجال حساس يستدعي أعلى درجات الحكامة لضمان الثقة في المؤسسات الدينية والبرامج الاجتماعية المرتبطة بها.
من زاوية السياسات العمومية، تكشف هذه الاتهامات عن توتر بين خطاب «الأمن الروحي» الذي يركز على تنظيم الحقل الديني، وبين واقع تدبير مشروعات اجتماعية ذات بعد ديني، حيث تصبح المساجد فضاءً لتقديم خدمات محو الأمية والتأطير الاجتماعي، ما يفرض إدماج أدوات الرقابة والمحاسبة المعمول بها في باقي القطاعات. على مستوى التغطية الإعلامية، يفتح الملف باباً للنقاش حول شفافية المؤسسات الدينية، دور المجلس العلمي الأعلى والوزارة الوصية في التحقيق والتقويم، وأثر ذلك على صورة المسجد كفضاء تعبدي وتعليمي في آن واحد.
معجزة الخلق الإلهي: بين راسل ونيتشه وطرفة بن العبد
الفلسفة الحديثة والخيال الشعري في قراءة الخلق
تقدّم المقالة قراءة تأملية حول «معجزة الخلق الإلهي» من خلال حوار تخييلي بين ثلاث مرجعيات: الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، والشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، في محاولة لجسر الهوة بين الفلسفة العقلانية، النقد الجذري للدين، والخيال الشعري العربي. يوظّف الكاتب المواقف الفلسفية المتباينة لراسل ونيتشه حول الدين والوجود، مقابل حساسية طرفة تجاه الزمن والموت والمعنى، ليعيد طرح سؤال الخلق على نحو يجمع بين الاستدلال العقلي والانفعال الجمالي.
على مستوى الحقل الديني، تعكس هذه المقاربة محاولة لتطوير خطاب إيماني قادر على استيعاب النقد الفلسفي الحديث دون الاكتفاء بردود دفاعية تقليدية، بل عبر حوار عابر للعصور بين نصوص دينية، أطروحات فلسفية، وتخييلات شعرية. هذا النوع من المواد يساهم في تغذية نقاش أوسع حول علاقة المثقف العربي بالفكر الغربي والفلسفة الدينية، وكيف يمكن للصحافة الثقافية أن تُدخل أسئلة الميتافيزيقا إلى المجال العمومي بلغة مبسطة نسبياً دون تفريط في العمق المفهومي.
ندوة حول السيرة والتصوف والهوية
السيرة النبوية والتصوف كموارد لهوية مغربية
تغطي المادة ندوة علمية تتمحور حول تداخلات السيرة النبوية والتصوف والهوية، في سياق نقاش مغربي مستمر حول دور التصوف السني في صياغة «النموذج الديني الوسطي» وحماية الأمن الروحي. يُستثمر الحدث لإبراز كيف تُقرأ السيرة النبوية عبر عدسة التجربة الصوفية، بما يسمح باستحضار قيم الرحمة، التسامح، والمحبة، كمرتكزات لهوية دينية منفتحة قادرة على مقاومة خطاب التشدد والعنف.
من منظور السياسات الدينية، تشكل هذه الندوات جزءاً من استراتيجية أوسع لتثبيت الثوابت الثلاثة: العقيدة الأشعرية، المذهب المالكي، والتصوف السني، ليس فقط في النصوص الرسمية بل في الفضاء العمومي عبر الفعاليات الثقافية والعلمية. كما تعكس توجهاً نحو إعادة مركزية السيرة النبوية في النقاش العمومي، بعيداً عن القراءات الحرفية، لصالح قراءات تربوية وروحية تخدم مشروع «الاعتدال المغربي» الذي يُسوَّق خارجياً كبديل عن النماذج المتشنجة في المنطقة.
برلمانية تنبه إلى استمرار إغلاق مساجد متضررة من زلزال 2023 بتارودانت
إعادة إعمار المساجد بين الإكراهات التقنية وحق الجماعات في العبادة
تركّز البرلمانية المغربية في هذه المادة على استمرار إغلاق عدد من المساجد المتضررة من زلزال 2023 في إقليم تارودانت، منبّهة إلى الأثر الاجتماعي والروحي لهذا الإغلاق على السكان المحليين الذين فقدوا فضاءهم المركزي للعبادة والتجمع. تطرح المداخلة البرلمانية سؤال وتيرة إعادة الإعمار، ومدى قدرة القطاعات الحكومية والوصية على الحقل الديني على التنسيق لتسريع عمليات الإصلاح، في ظل اعتبارات السلامة الإنشائية والمساطر الإدارية.
من زاوية الأمن الروحي، تُظهر هذه القضية كيف يمكن للعوامل الطبيعية (الزلازل والكوارث) أن تتحول إلى اختبار فعلي لقدرة الدولة على ضمان استمرارية الخدمات الدينية، جنباً إلى جنب مع الخدمات الاجتماعية الأساسية. كما تعكس تنبيه البرلمانية إدخال ملف المسجد إلى قلب النقاش السياسي والبرلماني، بما يعيد التذكير بأن تدبير الحقل الديني لا يقتصر على تأطير الخطاب والوعظ، بل يشمل أيضاً البنية التحتية والحق في الولوج إلى فضاءات العبادة الآمنة.
تدبير الحقل الديني بالمغرب في عهد جلالة الملك محمد السادس يقوم على بنية مؤسساتية متكاملة
الخطاب التلفزيوني حول النموذج المغربي لتنظيم الدين
يتناول تقرير Medi1TV بنية تدبير الحقل الديني في المغرب خلال عهد الملك محمد السادس، مقدِّماً النموذج بوصفه منظومة مؤسساتية متكاملة تستند إلى إمارة المؤمنين وتوزيع الأدوار بين المجالس العلمية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهيئات التأطير الديني. يبرز المحتوى التلفزيوني جوانب مثل تكوين الأئمة والمرشدين، إصلاح التعليم الديني، وتنظيم الفتوى، في إطار سردية رسمية تصف الحقل الديني كأحد أعمدة استقرار الدولة ومواجهة التطرف.
من منظور الإعلام الديني، يساهم هذا التقرير في ترسيخ صورة «النموذج المغربي» في الفضاء السمعي البصري، متزامناً مع جهود أكاديمية وإعلامية أخرى تبرّر التفرد المغربي عبر إمارة المؤمنين والثوابت الثلاثة. كما يفتح المجال أمام مساءلة مدى تطابق السردية التلفزيونية مع الواقع الميداني، خاصة عند قراءة ملفات مثل محاربة الأمية في المساجد أو إعادة إعمار المساجد المتضررة، ما يتيح للصحفيين والباحثين بناء تغطيات تقاطعية بين الخطاب الرسمي، الدراسات الأكاديمية، والمعيش اليومي.
شكراً لقراءتكم هذا العدد من «نشرة سُبْحة»، ونلتقي في عدد جديد.