السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعزاءنا القراء، هذه هي «نشرة سُبْحة» لليوم، نجول فيها بين أربع محطات دينية متجاورة: مفكر مسيحي مصري نادى بالمواطنة والحوار، وزاوية صوفية مغربية اختارت درب المقاومة، وحاخام يقود جماعة يهودية صغيرة في قلب إيران، وملايين من الحجاج الشيعة يتوافدون على كربلاء لإحياء الأربعين. أربع قصص تذكرنا بأن التدين وجه من وجوه التنوع الإنساني لا الانقسام.
الدرقاوية.. الزاوية الصوفية التي اختارت درب الجهاد لا الزهد وحده
حين تتجاوز الزاوية جدران الذكر إلى ساحة المقاومة
تشكل الزوايا الصوفية، بحسب جريدة الصباح، ركيزة من ركائز الهوية الدينية والثقافية والسياسية في المغرب عبر التاريخ، إذ لم تكن مجرد فضاءات للعبادة والذكر، بل تحولت إلى مؤسسات اجتماعية وتعليمية أسهمت في التماسك الثقافي والاستقرار الروحي للمجتمع المغربي، ولعبت أدوارا دبلوماسية امتدت إلى عمق القارة الإفريقية والعالم. وتنتمي الزاوية الدرقاوية إلى هذا النسيج، إذ تعود جذورها إلى القرن الثامن عشر الميلادي، حين أسسها مولاي العربي الدرقاوي في منطقة أمجاط شمال المغرب.
وخلافا لكثير من الزوايا التي اقتصر دورها على التربية الروحية، اختارت الدرقاوية، وفقا لدراسات تاريخية متخصصة، نهج المقاومة والدعوة إلى الجهاد في مواجهة الاستعمار، ما جعلها حالة استثنائية بين الطرق الصوفية المغربية. هذا التمازج بين التصوف والفعل السياسي يفسر امتداد فروع الدرقاوية داخل المغرب وخارجه، ويؤكد أن الزوايا لم تكن يوما بمعزل عن قضايا الدفاع عن الوطن والدين في آن واحد.
لماذا تحتاج مصر إلى مفكر بحجم وليم سليمان قلادة؟
المواطنة والحوار الديني في فكر مفكر قبطي مصري
يستعيد الكاتب عمار علي حسن، في مقال رأي بموقع الجزيرة نت، سيرة المفكر القبطي وليم سليمان قلادة (1924-1999)، الذي كرّس جهده لمفاهيم "الوحدة الوطنية" و"الحوار بين الأديان"، ووضع للمواطنة تعريفا يقوم على سبعة أعمدة تشمل الأرض والبشر على اختلافهم الديني والتعددية الدينية باعتبارها سمة اجتماعية أساسية لا عارضا يُتحمّل. وبحسب المقال، لم يكتف قلادة بالتنظير، بل ترجم رؤيته إلى مشاريع عملية، من تأسيس الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي إلى الدفع بتعديلات قانونية إنسانية في مجال حقوق السجناء.
وفي موقفه من القضية الفلسطينية، اعتبر قلادة، بحسب ما ينقله الكاتب، أن قيام إسرائيل يمثل "إلغاء للمسيحية" من منظور لاهوتي، وهاجم انحياز بعض الكنائس الغربية لها، داعيا إلى قراءة نقدية لتوظيف النص الديني في خدمة مشاريع سياسية. هذا الموقف، الذي جمع بين الانتماء المسيحي الشرقي والالتزام الوطني المصري، يجعل من إرثه، بحسب المقال، مرجعا يُستعاد اليوم لتخفيف حدة السجال الطائفي المتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي.
الحاخام الذي يقود آلاف اليهود في قلب الجمهورية الإسلامية
حضور يهودي متواصل داخل إيران رغم التوترات الإقليمية
تسلط صحيفة "وول ستريت جورنال" الضوء على الحاخام يهودا جرامي، كبير حاخامات إيران، الذي يشرف منذ سنوات على شبكة من المدارس اليهودية وعلى كشرية الأغذية على مستوى البلاد، إضافة إلى إدارة أحواض التطهير الطقسي، كما أسس معهدا تلموديا (يشيفا) ساهم في رفع مستوى المعرفة الدينية اليهودية وتخريج حاخامات وكتبة نصوص دينية. ويعكس استمرار هذا النشاط الديني المنظم وجود جماعة يهودية صغيرة لكنها فاعلة، تعيش ضمن أقلية دينية معترف بها دستوريا في الجمهورية الإسلامية.
ووفقا لتقارير صحفية أخرى، عبّرت قيادات هذه الجماعة، في مناسبات علنية، عن ولائها لإيران بوصفها "وطنا" لها، وهو موقف يُقرأ في سياق التوازن الدقيق الذي تحافظ عليه الأقليات الدينية في المنطقة بين حفظ هويتها الدينية والانخراط في محيطها السياسي والوطني، خصوصا في ظل التصعيد المستمر بين إيران والغرب.
ملايين الحجاج يتوافدون على كربلاء لإحياء ذكرى الأربعين
أكبر تجمع ديني سنوي في العالم يلتئم وسط توترات إقليمية
توثق وكالة أسوشيتيد برس، في مجموعة صور من مدينة كربلاء العراقية، توافد ملايين الحجاج الشيعة لإحياء "الأربعين"، الذكرى التي تصادف اليوم الأربعين بعد استشهاد الإمام الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، في واقعة كربلاء سنة 680 ميلادية. وبحسب تقارير صحفية متابعة للحدث، تجاوز عدد من دخلوا العراق منذ بداية شهر محرم 4.88 ملايين حاج، فيما تتوقع السلطات العراقية أن يصل العدد الإجمالي إلى نحو 22 مليون حاج، بينهم قرابة خمسة ملايين قادمين من خارج البلاد، مع بلوغ ذروة الزيارة يوم 5 غشت 2026.
وتجري هذه الشعائر، بحسب المصادر ذاتها، في ظل مخاوف من تصعيد إقليمي بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع السلطات الأمنية العراقية أمام تحدٍّ مزدوج: تأمين أحد أكبر التجمعات البشرية السلمية في العالم، والحفاظ على الطابع الروحي والمجتمعي الذي يجعل من الأربعين مناسبة لتكافل واسع بين الحجاج القادمين من مختلف الجنسيات.
شكراً لقراءتكم هذا العدد من «نشرة سُبْحة»، ونلتقي في عدد جديد.