"إذا كان لمفهوم الله أي صلاحية أو فائدة، فلا يمكن أن يكون إلا لجعلنا أكثر انفتاحاً وحرية ومحبة"، هكذا كتب جيمس بولدوين في كتابه "النار المقبلة". هذه الكلمات تلخص التحول العميق الذي يشهده المجتمع الأمريكي في علاقته مع الدين والروحانية.
كشفت دراسة حديثة أجراها مركز بيو للأبحاث أن التراجع الذي شهدته المسيحية في أمريكا على مدى عقود قد بدأ في الاستقرار. هذا التطور يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة التحول الديني في المجتمع الأمريكي المعاصر.
وفقاً لدراسة علمية امتدت لعشر سنوات ونُشرت في مجلة سوسيوس، نحن لا نشهد علمنة بسيطة للمجتمع، بل تحولاً عميقاً في الممارسات الروحية. الشباب الأمريكي لا يتخلى عن الإيمان، بل يرفض المؤسسات الدينية التي يراها متصلبة أو مسيّسة أكثر من اللازم.
الظاهرة الأبرز التي رصدها الباحثون هي ما يسمونه "الفردانية الروحية" - حيث يختار الأفراد تشكيل حياتهم الروحية وفقاً لقيمهم الشخصية، بدلاً من اتباع تعاليم مؤسسية جامدة. فالعديد من الذين توقفوا عن حضور الخدمات الدينية ما زالوا يمارسون الصلاة ويؤمنون بالله، لكن بطريقتهم الخاصة.
"لا أستطيع تقبل فكرة أن شخصاً يكرس حياته لخدمة الآخرين سيُحكم عليه بالعذاب الأبدي لمجرد ميوله الجنسية"، هكذا عبرت إحدى المشاركات في الدراسة عن سبب تركها للكنيسة. وأضاف آخر: "لا أعتقد أن المؤسسة الدينية شرط للتواصل مع الله... أحياناً يمكن لهذا البناء المؤسسي أن يعيق العبادة الحقيقية."
هذا التحول يخلق مشهداً دينياً مستقطباً: في جانب، نجد الملتزمين بالسلطة الدينية التقليدية ومؤسساتها، وفي الجانب الآخر، أولئك الذين يؤمنون بقدسية الفرد ويضعون الأصالة الشخصية فوق التوجيهات المؤسسية.
الدراسات تشير إلى أن المخاوف السياسية غالباً ما تكون المحفز الرئيسي لترك المؤسسات الدينية المنظمة. كثيرون يشعرون بالاغتراب عن الكنائس التي يرونها محافظة سياسياً أو حكمية للغاية، خاصة في القضايا الاجتماعية.
أمريكا اليوم لا تصبح أقل تديناً، بل تتبنى شكلاً مختلفاً من الروحانية. "اللا-دينيون" لا يرفضون الإيمان بشكل مطلق، بل يعيدون تصوره وفقاً لشروطهم الخاصة. ومع اقتراب هذه العملية من نهايتها، حيث غادر معظم الذين يشعرون بالتوتر بين قيمهم الشخصية والمتطلبات المؤسسية، نشهد استقراراً طبيعياً في معدل التراجع الديني المؤسسي.
دراسة من إعداد لاندون شنابل، أستاذ مشارك في علم الاجتماع بجامعة كورنيل ومؤلف كتاب "هل الإيمان أنثوي؟ ما يعتقده الأمريكيون حقاً حول الجندر والدين".