في الأشهر الأخيرة، كشفت تقارير إعلامية عن ظاهرة مقلقة تتعلق باستغلال الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور مزيفة لضحايا الهولوكوست ونشرها عبر شبكات التواصل الاجتماعي بهدف تحقيق مكاسب مالية سريعة. شبكة من صانعي المحتوى المنتشرين في عدد من الدول، أبرزها باكستان، لجأت إلى توليد صور وقصص وهمية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، مستهدفة بذلك برامج تحقيق الربح في منصات كفيسبوك، حيث تُقدَّر المشاهدات والمشاركات بعوائد مالية مجزية كلما ارتفع عدد المتابعين وتفاعل الجمهور.
تشير التحقيقات إلى أن بعض هذه الحسابات جمعت ملايين المشاهدات خلال فترة قصيرة عبر ادعاء نشر صور تاريخية من معسكر أوشفيتز، رغم أن المصادر التاريخية تؤكد ندرة الصور الأصلية الموثقة من داخل هذه المعسكرات خلال الحرب العالمية الثانية. وتتنوع هذه الصور المزيّفة بين مشاهد لفتاة تلعب الكمان بين الأسلاك وأطفال مختبئين أو موضوعين بجوار السكة الحديدية، وترافقها قصص عاطفية ملفقة بقصد التأثير على مشاعر المتلقين واستثارة تعاطفهم.
هؤلاء الصانعون للمحتوى لا يخفون أهدافهم التجارية. بعضهم يروج لإنجازاته المادية علنًا ويعرض شاشات أرباح بمبالغ ضخمة، فيما توضح شهادات آخرين أن تحقيق الأرباح يرتبط باستهداف جمهور غربي وتضخيم أرقام المشاهدة بأي وسيلة. وقد تبنّى آخرون منهجية بيع أو تأجير الحسابات لمن يرغب في اقتحام عالم صُناع المحتوى السريع.
أثارت هذه الممارسات غضب منظمات حماية ذاكرة الهولوكوست، التي رأت فيها استهانة بآلام الضحايا وتزويرًا غير أخلاقي للتاريخ. وأشارت إدارة متحف أوشفيتز إلى آثار هذه الموجة الرقمية على وعي الجمهور، إذ بدأت تلقى تعليقات متزايدة تشكك في صحة الصور الحقيقية، فيما عبّر بعض الناجين وأسرهم عن شعورهم بخيبة أمل أمام هذا الشكل الجديد من التلاعب، رغم الجهود المتواصلة للتوعية.
من جانبها، أكدت شركة "ميتا" المالكة لفيسبوك أنها لا تشجع هذه الممارسات إلا أن نظام المكافآت الرقمية يمنح الأفضلية للمحتوى الأكثر إثارة وتفاعلًا. وقد أقدمت الشركة على حذف بعض الحسابات التي أخلّت بشروط المنصة من حيث الانتحال أو تبادل الحسابات، بينما تبقى الإشكالية الأعمق كامنة في غياب ضوابط فعّالة تحد من الاستخدام السيئ لأدوات الذكاء الاصطناعي لتزوير وقائع التاريخ وبيعها كلعبة عاطفية مربحة.
تبرز هذه الظاهرة تحديات جديدة في علاقة الإنسان مع الذكاء الاصطناعي، وبخاصة في المجالات الحساسة للذاكرة الجماعية. في زمن يهيمن عليه العصر الرقمي، يصبح الدفاع عن الحقيقة التاريخية أكثر إلحاحًا، لا سيما وأن هذا الجيل قد يكون الأخير الذي عرف الناجين من الهولوكوست عن قرب. مسؤولية التصدي لهذا التشويه تقع على عاتق المؤسسات والمنصات وصانعي السياسات، مع ضرورة تعزيز التوعية العامة وتحسين أدوات التحقق، حتى لا تتحول المآسي الإنسانية إلى مادة إعلانية في أسواق الذكاء الاصطناعي الرقمية.