أظهرت هجمات متتابعة استهدفت كنسًا يهودية في مدن أوروبية خلال أسبوع واحد بروز تنظيم جديد يطلق على نفسه اسم «أصحاب اليمين»، في توقيت تتزايد فيه حساسية العواصم الأوروبية تجاه أي تهديد يمس الجاليات اليهودية أو يفتح مسارات جديدة لنشاط الشبكات المتحالفة مع إيران خارج الشرق الأوسط. فخلال أيام قليلة، سُجّل تفجير أمام كنيس يهودي تاريخي في مدينة لييج البلجيكية أعقبه حريق متعمد أمام كنيس في روتردام الهولندية، بينما تشير تقارير إلى هجوم ثالث في اليونان تبنته الجهة نفسها عبر قنوات غير رسمية على تطبيق «تلغرام» الناطقة بخطاب قريب من معجم الحرس الثوري الإيراني وحلفائه.
الهجوم الأول وقع أمام كنيس يهودي يعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر في مدينة لييج البلجيكية، حيث دوّى انفجار قبيل الفجر فتسبب في أضرار مادية طالت واجهات المباني المحيطة دون تسجيل إصابات بشرية، ودفع السلطات إلى تطويق المنطقة وفتح تحقيق جنائي بمشاركة وحدات متخصصة في المتفجرات ومكافحة الإرهاب. وصف وزير الداخلية البلجيكي برنار كوينتن التفجير بأنه عمل معاد للسامية موجّه مباشرة إلى الجالية اليهودية، وأعلنت الشرطة الفيدرالية تعزيز الإجراءات الأمنية حول المواقع الدينية المشابهة في البلاد، في ظل دعوات من ممثلي المنظمات اليهودية إلى توفير حماية أكثر صرامة للمعابد والمؤسسات الثقافية.
بعد هذا الانفجار بأيام قليلة، استهدفت عملية إحراق متعمدة كنيسًا في مدينة روتردام الهولندية في ساعة مبكرة من الصباح، إذ أشعل مجهولون النار عند مدخل المبنى الديني، قبل أن تمتد ألسنة اللهب لوقت محدود وتخمد من تلقاء نفسها، من دون إصابات تذكر، بينما تحدثت الشرطة عن أضرار رمزية ذات دلالة نفسية واضحة على سكان الحي والجالية اليهودية في المدينة. عمدة روتردام كارولا شخاوتن أعربت عن رفضها لأي مظهر من مظاهر العداء للسامية أو العنف ضد المجموعات الدينية، وأكدت استمرار الإجراءات الأمنية حول الكنس، في وقت أعلنت فيه الشرطة فتح تحقيق في تسجيلات منشورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي يُعتقد أنها توثق لحظة إضرام النار أمام بوابة الكنيس.
في خضم هذه الوقائع، برز اسم تنظيم «أصحاب اليمين» بوصفه الجهة التي نسبت إلى نفسها مسؤولية الهجمات عبر تسجيلات مصورة ورسائل منشورة على قنوات مغلقة في «تلغرام»، تشير تقارير إلى ارتباط بعضها بمحور الحرس الثوري الإيراني و«حزب الله» اللبناني. وتُظهر المواد المتداولة شعارًا يحمل يدًا تمتد ممسكة ببندقية أمام خريطة للعالم في تصميم يقترب بصريًا من شعارات أذرع عسكرية مرتبطة بطهران مثل الحرس الثوري و«حزب الله» وكتائب «حزب الله» في العراق، مع تفصيل لافت هو اختيار بندقية «دراغونوف» السوفييتية في الشعار، وهو طراز أكثر شيوعًا في ساحات الصراع بالشرق الأوسط منه في البيئات الأوروبية.
البيانات المنسوبة إلى المجموعة تعتمد لغة دينية سياسية ذات طابع شيعي جهادي، وتستخدم تعابير مثل «فرسان الظل» وعبارات تعبئة تستحضر معارك تاريخية مثل «بدر» و«خيبر»، إلى جانب إحالات على «الدفاع عن الدين» ومواجهة «العدوان» على المجتمعات المسلمة والشيعية، بحسب ما تذكره تحليلات لمراكز بحثية متابعة لنشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران. ويلفت باحثون في معاهد متخصصة في أمن الشرق الأوسط والعلاقات الإيرانية الغربية، من بينها مؤسسات بحثية مثل «FDD» و«ميند إسرائيل»، إلى أن غياب أي أرشيف سابق للتنظيم قبل هذا الأسبوع، واقتصار ظهوره على بيانات غير مؤرخة ومقاطع قصيرة لجانب من الهجمات، يشيران إلى احتمال كونه بنية «واجهة» أكثر منه تنظيمًا متكامل البنية.
هذا النمط من «جماعات الظل» ليس جديدًا في سلوك بعض الشبكات المرتبطة بإيران، إذ سبق أن استُخدمت واجهات متعددة الأسماء والمسميات لتبني عمليات خارجية معقدة، من بينها تفجيرات استهدفت مؤسسات يهودية في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس في منتصف التسعينيات، وفق ما توثقه سجلات قضائية وتقارير استخباراتية غربية حول نشاط خلايا مرتبطة بـ«حزب الله» في أميركا اللاتينية. وتتيح مثل هذه الهياكل المرنة إمكانية تنفيذ عمليات انتقامية أو رسائل ردع محددة، مع الإبقاء على هامش إنكار رسمي من جانب الدولة الداعمة، وهو ما يمنحها قدرة على التراجع أو تغيير العلامة التنظيمية بمجرد انتهاء المهمة أو ارتفاع مستوى الضغط الدولي.
في السياق الأوروبي، تندرج عمليات «أصحاب اليمين» المزعومة ضمن ما يصفه خبراء الأمن بـ«الحرب النفسية» ذات الكلفة البشرية المحدودة نسبيًا، لكنها تستهدف خلق شعور بالتهديد المستمر لدى الجاليات اليهودية وإرباك الأجهزة الأمنية عبر إدخال فاعل جديد غير معروف في معادلة التهديد. كما توفّر هذه البنية الناشئة، إذا تأكدت صلتها بمحور إقليمي أوسع، نموذجًا لما يسميه بعض المحللين «التهديد الهجين» الذي يجمع بين عناصر العمل الإجرامي المحلي وإشارات التوجيه الاستخباراتي الخارجي، في وقت تسعى فيه دول الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات قانونية وأمنية للتعامل مع امتدادات الصراعات الإقليمية على أراضيها.