حسمت السلطات الكنسية الكاثوليكية في فرنسا وضع كاهن من أبرشية بايو ـ ليسيو في إقليم كالفادوس بعد مسار إجرائي دام عدة سنوات، إذ أُعلن عن إدانته نهائياً وحرمانه من أي إمكانية لممارسة الخدمة الكهنوتية، على خلفية شكايات تتعلق بتصرفات اعتبرت «غير لائقة» تجاه عدد من الأشخاص البالغين في سياقات روحية ورعوية مختلفة. ويأتي هذا القرار في وقت تواصل فيه الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية معالجة ملفات تتصل بسلوك رجال دين، في امتداد لمسار فتح الملفات القديمة والحديثة منذ نشر تقرير لجنة التحقيق المستقلة حول التجاوزات والانتهاكات داخل المؤسسة الكنسية.
القضية التي أعادت إلى الواجهة اسم الكاهن برونو تيفينان، وهو كاهن ارتبط نشاطه منذ سنوات بالروحانية التيريزية وبجماعة «ميشون تيريزين»، استندت إلى وقائع اعتبرها القضاء الكنسي ذات طابع اعتدائي في المجال الروحي، من خلال ما وُصف بأنه إصرار على دفع بعض الأشخاص إلى اعترافات ذات طابع حميمي للغاية واستغلال تلك المساحة الروحية لطلب ملامسات أو تصرفات حركية لا تتوافق مع ما تنتظره الكنيسة من مرافقة نفسية وروحية متوازنة. وقد تطورت قراءة هذه الأفعال داخل المؤسسة الكنسية مع اتساع النقاش حول مفهوم «الاستغلال الروحي» و«السلطة الروحية» في علاقة الكاهن بالمؤمنين، وهو نقاش تغذيه قضايا متعددة ظهرت في عدد من الأبرشيات الفرنسية خلال الأعوام الماضية.
قرار الإدانة النهائي صدر عن هيئة عليا في الكوريا الرومانية، هي دائرة تعليم الإيمان، بعدما رفِعت إليها القضية في مرحلة الاستئناف، عقب حكم كنسي أولي أصدرته محكمة كنسية فرنسية مختصة، وأدى في حينه إلى إبعاد الكاهن عن خدمته وإلى إنزاله من الحالة الكهنوتية مع صدور قرار بالحرمان الكنسي في عام ٢٠٢٤. وبانتهاء مسار الاستئناف في روما، بات الحكم نهائياً غير قابل لأي طعن جديد، مع تأكيد مجموعة من العقوبات تتضمن المنع الدائم من الاحتفال بالأسرار، ومن ارتداء الزي الكهنوتي أو تقديم الذات على أنها تنتمي إلى الإكليروس الكاثوليكي، ما يعني قطع الصلة القانونية والوظيفية بين المعني والمؤسسة الكنسية.
بيان أسقف أبرشية بايو ـ ليسيو جاك هابير، الذي أعلن تثبيت الحكم، ركز على توجيه رسالة مباشرة إلى الأشخاص الذين قدموا شهاداتهم في هذه القضية، مع الإعراب عن تقدير الدور الذي قاموا به عبر الإبلاغ والتعاون مع الجهات الكنسية المختصة، وتأكيد أن هدف الإجراءات الكنسية هو في المقام الأول ضمان حماية الأشخاص ومنع تكرار مثل هذه الوقائع داخل الحياة الرعوية. كما أعاد البيان التذكير بآليات الاستقبال والاستماع الموضوعة في الأبرشية لصالح من يرغب في الإبلاغ عن سلوكيات مسيئة، في انسجام مع التوجيهات العامة الصادرة عن مجلس أساقفة فرنسا في أعقاب توصيات لجنة التحقيق المستقلة.
القضية لم تُعرض، حتى الآن، بوضوح بوصفها ملفاً جنائياً أمام القضاء المدني، إذ يظل تركيز المعلومات المتاحة على المسار الكنسي وما انتهى إليه من إدانة وتأديب داخل إطار قانون الكنيسة الخاص. وتنعكس هذه الطبيعة الخاصة على طريقة تقديم الوقائع في البيانات العامة، حيث تتحاشى السلطات الكنسية الدخول في تفاصيل دقيقة يمكن أن تندرج في خانة الاتهامات الجزائية، مكتفية بالإشارة إلى «تصرفات غير لائقة» و«استغلال في إطار الاعتراف أو المرافقة الروحية»، وهي عبارات باتت تتكرر في عدد من الملفات الكنسية المعاصرة.
في الخلفية الأوسع لهذه القضية يتموضع سؤال إدارة الكنيسة الفرنسية لمجمل ملفات العنف والانتهاكات، ولا سيما بعد إنشاء هيئات متخصصة للنظر في الجرائم والتجاوزات التي يرتكبها رجال الدين، من بينها المحكمة الجزائية الكنسية الوطنية التي قدّمت مؤخراً حصيلة أولية لعملها، بالإشارة إلى عشرات المحاكمات وصدور مجموعة من الأحكام التأديبية بدرجات متفاوتة. كما تشكل المبادرات الرمزية، مثل الاحتفالات التذكارية المخصصة للمتضررين من الاعتداءات في بعض الأبرشيات، جزءاً من محاولة رسم مسار اعتراف مؤسسي أوسع، في بلد عرف عدداً من القضايا المدوية التي طالت كهنة وأساقفة، وما زالت آثارها تُناقش على الصعيدين الكنسي والمجتمعي.