تتخذ ظاهرة الانخراط في «خلوات» طرد الأرواح في فاطمة منحى يثير تساؤلات متزايدة حول حدود الممارسة الدينية عندما تلتقي بالمعاناة النفسية والبحث عن معنى يتجاوز التفسير العلمي. في قلب هذه الظاهرة تبرز «برلياتورا سانتي بيترو إ باولو»، وهي بنية دينية تقدم نفسها بوصفها كاثوليكية، لكنها منفصلة إداريا وقانونيا عن الكنيسة الكاثوليكية في روما، وقد وجدت في فاطمة، أحد أهم المراكز الدينية في البرتغال، فضاء تستقبل فيه شهريا أشخاصا يصفون معاناتهم بأنها «روحية» أو خارقة للعادة، وتعرض عليهم جلسات لطرد «الشياطين» المفترضة التي يعتقدون أنها تلاحقهم.
يقود هذه الخلوات القس الشاب فرانسيسكو ماركيش، البالغ من العمر 27 عاما، إلى جانب الأسقف الإيطالي سالفاتوري ميكاليف، وهما يرتديان لباسا كنسيا يشبه ما هو متداول في الكنيسة الكاثوليكية، الأمر الذي دفع أبرشيتي ليريا–فاطمة وأفيرو إلى الإعلان العلني عن تبرئهما من هذه الأنشطة والتشكيك في صلتها بالمؤسسة الكنسية الرسمية. يؤكد ماركيش أن طقس طرد الأرواح بالنسبة إليه «عمل إلهي» يرمي إلى تخليص أشخاص يتألمون ولا يجدون جوابا لدى الأطباء أو المعالجين، مشيرا إلى أنه شهد أول طقس من هذا النوع وهو صغير، قبل أن يعتبر نفسه قد طور «موهبة» خاصة في هذا المجال.
الهيكل الذي يعمل تحت اسم «برلياتورا سانتي بيترو إ باولو» يستند قانونيا إلى التشريع الإيطالي، بينما يجري استكمال مسطرة تسجيله في البرتغال، حسب ما يعلنه القس الذي يتولى تمثيله في البلاد. ويحرص ماركيش وميكاليف على تقديم نفسيهما في صورة رجال دين يملكون «سلسلة رسولية» صحيحة تخول لهما ممارسة الأسرار الكنسية، في حين تصر جهات كنسية برتغالية على نفي تمتعهما بهذه الصفة. هذا التوتر دفع القس الشاب إلى اتهام الكنيسة الكاثوليكية باضطهاده والتضييق على نشاطه الروحي، مذكّرا بأن يسوع، بحسب تعبيره، تعرض بدوره للاضطهاد، ومعتبرا أن بيانات النفي الرسمية تزيد من إقبال المشاركين على الخلوات التي ينظمها، ما دام هدفه، كما يكرر، هو «الحقيقة».
الكنيسة الكاثوليكية تمارس بدورها طقس طرد الأرواح، لكنها تحيطه بإجراءات دقيقة، إذ تشترط توافر علامات بعينها مثل نطق لغات مجهولة، أو معرفة أمور لا يفترض أن يعرفها الشخص، أو إظهار قوة جسدية استثنائية، أو نفور حاد من الأماكن المقدسة، كما تلجأ إلى فرق متعددة التخصصات تضم أطباء نفسيين وعلماء نفس من أجل استبعاد الحالات التي يمكن تفسيرها علميا. في المقابل، تقدم خلوات فاطمة التي يديرها ماركيش مساحة لمن يصفون معاناتهم بأنها غير قابلة للتفسير الطبي، وتتمثل الخطوة الأولى، بحسب ما يرويه، في الإصغاء إلى هؤلاء ثم محاولة بلوغ «الحل» عبر الصلاة والإيمان. خلال الجلسات، يتقدم بعض المشاركين إلى المذبح ليتلقوا وضع الأيدي، فيسقط بعضهم أرضا وقد خارت قواهم، بينما يصرخ آخرون أو يطلقون أصواتا غريبة، أو يتقيأون أو يرتجفون، فيما يواصل القس أو الأسقف الصلاة بجانبهم.
الشهادات المتداولة بين المشاركين تتحدث عن شعور بـ«الارتياح» و«السلام» بعد انتهاء الطقس. تحكي أم من منطقة ليريا أن ابنتها كانت تعاني نوبات لا تفسير طبيا لها ولم تجد جوابا لدى الأطباء ولا لدى ممارسي السحر، قبل أن يُنصحَتا بهذه الخلوة، مؤكدة أنه لا يُطلب منهما دفع مقابل وأنها تلاحظ تحسنا في حالة ابنتها. رجل برتغالي مقيم في فرنسا يقول إنه كان يشعر بأنه «ممسوس» ويصارع أعراضا جسدية غير مفسَّرة، ولا ينام ويفكر بالموت، وأنه أنفق مبالغ كبيرة لدى العرّافين دون جدوى، قبل أن يشارك بانتظام في خلوات فاطمة بحثا عن تفكيك «الشر والأسحار»، كما يعبّر.
سيدة أخرى من بورتو تروي أنها التمست هي أيضا مساعدة العرّافات، وكانت تدفع مبالغ بين 300 و400 و500 يورو في كل مرة، ثم قررت المجيء إلى فاطمة، حيث تؤكد أن المساهمة المالية اختيارية وليست شرطا مسبقا. هذه الشهادات تحيل إلى تقاطع واضح بين المعاناة النفسية أو الوجودية وبين سوق واسع لخدمات روحية أو «سحرية» مدفوعة الثمن، تقدم وعودا بالشفاء أو التحرر من قوى غير مرئية.
على المستوى الأكاديمي، يرى عالم الاجتماع دونيزيتي رودريغيش، المتخصص في دراسة الظواهر الدينية، أن هذه البنية الدينية تندرج ضمن ما يُعرَف بحركات التجديد الكاريزماتي داخل الكاثوليكية، وهي حركات تشهد نموا لافتا في بلدان مختلفة. يربط الباحث هذا النمو بعدم شعور فئات من المؤمنين بالانتماء إلى خطاب الكنيسة الرسمي، الذي تَعرّض بدوره لهزات أخلاقية وقضائية بسبب قضايا اعتداءات جنسية، وبالبحث عن أنماط أكثر عاطفية وتشاركية من الممارسة الدينية يمنحها قائد يوصف بـ«الكاريزماتي»، إلى جانب ما يسميه «أزمة معنى» أوسع في المجتمعات المعاصرة.
من زاوية أخرى، يشدد باحثون آخرون على ضرورة يقظة المجتمع والدولة إزاء هذا النوع من الظواهر، ليس للتدخل في حرية المعتقد، بل لضمان عدم وقوع مخالفات أو استغلال للأشخاص في أوضاع هشّة. تجارب متعددة عبر العالم أظهرت وجود جماعات دينية تتهم بإبعاد أتباعها عن أسرهم والاستحواذ على أموالهم، الأمر الذي يبرز قوة التأثير التي يمكن أن تمارسها المرجعية الدينية، سواء في اتجاه دعم الأشخاص أو في خلق تبعيات جديدة.
في النقاش نفسه، يلفت رجال دين كاثوليك ومتخصصون في اللاهوت إلى أن الإقبال المتزايد على مسارات «الشفاء» الروحي يطرح تحديات متعلقة بالصحة النفسية. يحذّر بعضهم من مخاطر إقناع أشخاص يعانون اضطرابات حقيقية بأنهم تعافوا بمجرد المشاركة في احتفالات دينية مشحونة عاطفيا، مما قد يدفعهم إلى العدول عن طلب مساعدة زبية هم في حاجة فعلية إليها. ويؤكد هؤلاء أهمية امتلاك معرفة متينة بالجوانب الروحية وبقضايا الصحة معا، لتفادي استغلال من هم في وضع نفسي أو مالي أو صحيّ هش.
مع ذلك، يرى فلاسفة وباحثون في الدين أن طلب الوساطة الروحية أو الطرق غير العادية في طلب الشفاء ممارسة ضاربة في التاريخ، ومرتبطة ببنية عميقة في النفس البشرية، ولن تختفي قريبا. من هذا المنظور، لا تُختزَل الطقوس الدينية في كونها «مسرحا» رمزيا، بل تكتسب لدى المؤمنين معنى فعليا يلمسونه في حياتهم، ويعتبرون أن الدعاء والليتورجيا يملكان أثرا يتجاوز الكلمات. في هذا الأفق الطويل، يغدو طقس طرد الأرواح واحدة من صور «العلاج بالكلمة» التي رافقت البشر على مدى قرون، وتستمر اليوم في صيغ جديدة تتقاطع فيها الأسئلة الروحية مع قضايا الصحة والهوية والمعنى في مجتمعات معاصرة شديدة التعقيد.