عودة التفجيرات في الجزائر تزامنا مع نداء البابا للسلام

أضيف بتاريخ 04/14/2026
دار سُبْحة

تجد الجزائر نفسها مرة أخرى أمام مشهد دموي في اليوم نفسه الذي كان فيه البابا ليون الرابع عشر يلقي خطابا يركز على قيم السلام، ويدعو السلطات إلى توسيع دور المجتمع المدني وتأمين فضاءات أوسع للتعبير السلمي والمشاركة في الحياة العامة. ففي الوقت الذي كان فيه الخطاب البابوي يلح على أنّ الاستقرار المستدام يمر عبر بناء ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، كانت عبوات ناسفة بدائية الصنع تنفجر مستهدفة دوريات للأمن والدرك في منطقتين ريفيتين، وتؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى من عناصر الأجهزة الأمنية. هذا التزامن الحاد بين دعوة علنية إلى تخفيف الاحتقان وبروز فعل عنيف قاتل يعيد إلى السطح صورة التعايش المتوتر بين خطاب السلام وواقع قابل للاهتزاز.



المفارقة التي أفرزتها هذه اللحظة تتمثل في التباعد الواضح بين مناخ الرسائل الرمزية التي حملتها زيارة البابا وبرنامج لقاءاته مع المسؤولين والفاعلين الدينيين والمدنيين، وبين استمرار قدرة خلايا مسلحة محدودة العدد على تنفيذ هجمات تستهدف مؤسسات الدولة. فبينما قدمت الزيارة صورة بلد يسعى إلى تثبيت صورة الانفتاح المدروس، وحوار الأديان، والتنمية التدريجية لفضاءات المجتمع المدني، جاء التفجيران ليذكّرا بأن البنية الأمنية لا تزال مضطرة إلى التعامل مع تهديدات غير نمطية تتحرك في الأطراف الجغرافية، وتستثمر في هشاشة بعض المناطق البعيدة عن المركز. في هذا السياق، يظهر التناقض بين خطاب يدعو إلى بناء سلم اجتماعي متين عبر تعزيز الثقة، وواقع تفجيرات تحمل رسالة نقيضة تقوم على استهداف أجهزة الدولة بما يمثلّه ذلك من محاولة لإرباك المسار الأمني والسياسي.

هذا التوازي بين خطاب ديني عالمي يركّز على المصالحة والتعايش، وعملية عنيفة تحاول الإيحاء بأن الإرث الدموي لم يُمح بعد بالكامل من المشهد الجزائري، يطرح أسئلة إضافية حول مدى نجاعة المقاربات التقليدية في معالجة الجذور العميقة للعنف. فالدعوة إلى مجتمع مدني فاعل تضع رهان الوقاية في صدارة الأولويات، في حين تشير التفجيرات إلى استمرار وجود بيئات قابلة لاستقبال خطاب متشدد أو احتجاجي متطرف، ولو ضمن نطاق ضيق. وبين هذين المسارين، يبقى الامتحان الحقيقي في قدرة الدولة على تحويل الرسائل الرمزية التي رافقت زيارة البابا إلى إجراءات عملية تعزز قنوات المشاركة السلمية، وتقلص في المقابل الهامش الذي يمكن أن تتحرك فيه أشكال العنف المسلح التي عادت لتطل برأسها، ولو بشكل متقطع، في بلد يسعى إلى تثبيت صورة استقرار طويل الأمد.