يطرح المقال الذي نشره موقع The Baptist Report، ، رؤية شديدة التركيز على البعد التبشيري المسيحي في مقاربة مستقبل إيران، في لحظة يتداخل فيها العامل العسكري مع التحوّلات المجتمعية والدينية داخل البلاد. يستند النص إلى فرضية رئيسية مفادها أنّ سقوط النظام القائم في طهران، على وقع التصعيد العسكري الأميركي ـ الإسرائيلي الحالي، قد يحوّل إيران إلى ما يشبه «مختبرًا روحيًا» مفتوحًا على انتقال واسع النطاق نحو المسيحية، بما يعيد إلى الأذهان دور مدينة أنطاكية في القرون الأولى للمسيحية، بوصفها مركزًا انطلقت منه حركة تبشيرية عابرة للحدود.
يعتمد هذا الطرح على سلسلة من المعطيات المتداولة في الأوساط الإنجيلية الأميركية والغربية، من بينها تقديرات منسوبة إلى منظمة International Christian Concern تشير إلى أنّ إيران تستضيف حاليًا «أسرع كنيسة إنجيلية نموًا في العالم»، مع أرقام غير رسمية تتحدث عن ما يزيد على مليون إيراني اعتنقوا المسيحية خلال العقود الأخيرة، أغلبهم ضمن شبكات كنائس منزلية سرية، بعيدًا عن الإطار الكنسي التاريخي للأقليات المسيحية التقليدية. يعضد المقال هذه الصورة بإحالات متكررة إلى نشاط القس الإيراني المقيم في الولايات المتحدة Hormoz Shariat، مؤسس خدمة «Iran Alive Ministries»، الذي يقدَّم في الإعلام المسيحي الأميركي على أنه «بيلي غراهام إيران»، مستفيدًا من البث الفضائي ووسائط الاتصال الحديثة للوصول إلى جمهور فارسي واسع داخل البلاد وخارجها.
في المقابل، يتبنّى النص قراءة دينية صرف للحرب الدائرة اليوم مع إيران، انطلاقًا من عبارة لافتة يرد فيها أنّ «الحرب جحيم، لكن الأخطر أنّها تفضي إلى موت الذين لا يعترفون بالمسيح، فتقود أرواحهم إلى عذاب أبدي». على هذا الأساس، تتحوّل المواجهة العسكرية إلى لحظة «فرصة خلاصية» في نظر أصحاب هذا الخطاب، سواء عبر تسريع سقوط النظام أو عبر تفكيك شرعيته الدينية داخل المجتمع الإيراني، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة الروحية للبلاد. ويُستحضر هنا أيضًا خطاب لرجال دين إنجيليين يرون في الاضطراب الأمني والسياسي مدخلًا لـ«صحوة روحية» وليس فقط لتغيير سياسي.
في الداخل الإيراني، يركّز المقال على ثلاثة مستويات متداخلة. المستوى الأول هو تآكل التدين المؤسسي المرتبط بالدولة؛ إذ تُستعاد أرقام منسوبة لمسح رسمي تشير إلى أنّ نسبة الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم «غير متديّنين» بلغت نحو 54 في المئة، مع إغلاق عشرات الآلاف من المساجد خلال العقد الأخير، في مؤشر على تراجع الحضور الديني في الفضاء العام، ولو بحدود لا يمكن التحقق منها بسهولة في ظل غياب بيانات مستقلة قابلة للتدقيق. المستوى الثاني هو استفحال القمع القانوني والتنظيمي الذي يطاول المسيحيين، وخصوصًا المتحوّلين من الإسلام، من خلال أحكام سجن قاسية، ومداهمات متكررة لاجتماعات الكنائس المنزلية، واتهامات متصلة بـ«تهديد الأمن القومي»، كما توثّقه منظمات تعنى بحرية الدين مثل International Christian Concern وغيرها. أما المستوى الثالث فهو ما يصفه النص بـ«البحث عن بدائل»، إذ يورد استطلاعات رأي نشرتها منصات بحثية مستقلة أو قريبة من المعارضة تشير إلى تراجع الثقة في النسخة الرسمية من الإسلام، مقابل نظرة أكثر إيجابية إلى يسوع والمسيحية عمومًا، وإن كان الربط بين هذه النظرة الإيجابية والتحول الديني الفعلي يظل فرضية أكثر منه معطًى إحصائيًا ثابتًا.
من هذه العناصر، يبني المقال سيناريو مفصّلًا لإيران «ما بعد النظام»، ينطلق من افتراض قيام سلطة جديدة أقل التصاقًا بالإسلام السياسي، وأكثر استعدادًا لترخيص نشاط كنسي علني، بما يسمح بانتقال الشبكات المنزلية الحالية إلى فضاء مؤسساتي منظم. يشير النص إلى أنّ البنية اللامركزية لهذه الشبكات، كما يرويها Shariat في شهاداته الإعلامية، تسمح بالتحول السريع من تجمعات محدودة في المنازل إلى كنائس محليّة في المدن والبلدات، مع توقعات بإنشاء «عشرات وربما مئات الكنائس» خلال أشهر من أي انتقال سياسي كبير. وفي هذا التصور، تصبح إيران دولة ذات أغلبية سابقة مسلمة تشهد «تحولًا جماعيًا» نحو المسيحية، في سابقة تاريخية ضمن العالم ذي الأغلبية الإسلامية.
يمتد أثر هذا السيناريو، في نظر كاتبه، إلى الجوار المباشر لإيران، من العراق وسوريا ولبنان إلى دول الخليج، عبر تراجع نفوذ الشبكات المدعومة من طهران، وتخفيف الضغط عن الأقليات المسيحية في البيئات المتأثرة بالسياسة الإيرانية، وفتح المجال أمام وسائط الإعلام المسيحية للعمل بحرية أكبر في الفضاء الفارسي والعربي والتركي. وتُستعاد هنا مقارنات تاريخية مع دور أنطاكية في القرون الأولى، باعتبارها مركزًا حضريًا حيويًا احتضن تنوّعًا دينيًا وثقافيًا واسعًا، ومنها انطلقت موجات تبشير تجاوزت حدود المشرق إلى حوض المتوسط الأوسع. غير أن القياس على أنطاكية يبقى، في السياق الإيراني المعاصر، استعارة لاهوتية ورمزية أكثر منه قراءة جيوسياسية مكتملة العناصر، إذ لا توجد بعد مؤشرات عملية على أن دولة إيرانية جديدة، أيًا كان شكلها، ستتبنى نموذجًا منفتحًا بالقدر الذي يتصوره الخطاب التبشيري الإنجيلي.
على المستوى التحليلي البحت، يثير هذا النوع من السرديات جملة ملاحظات مهنية. فمن جهة أولى، تعتمد الأرقام المطروحة حول أعداد المتحوّلين إلى المسيحية في إيران على مصادر كنسية أو منظمات معنية باضطهاد المسيحيين، ما يطرح أسئلة حول منهجية الإحصاء وإمكانية وقوع تضخيم، سواء بدافع الحماسة التبشيرية أو في سياق حملات تعبئة الرأي العام في الغرب. ومن جهة ثانية، يتجاهل الخطاب إلى حد كبير احتمال أن يقود سقوط نظام ديني صارم إلى موجة أولى من العلمنة الجذرية أو اللادينية، كما حدث في تجارب أخرى شهدت انهيار أنظمة أيديولوجية قوية، وأن يتوزّع المجتمع بين اتجاهات متعددة: قومية، ليبرالية، يسارية، دينية بأشكال جديدة، وليس بالضرورة على خط واحد نحو المسيحية وحدها. ومن جهة ثالثة، يبقى مستقبل الحريات الدينية في أي إيران جديدة مرهونًا بشكل النظام المقبل وبطبيعة التوازنات الداخلية والإقليمية، بعيدًا عن الرؤى المسبقة التي تقرأ المشهد حصريًا بتصنيفات «إسلام/مسيحية».
يقدّم المقال الإنجيلي عن إيران، حربًا وتحولًا دينيًا محتملًا، نموذجًا واضحًا عن كيفية توظيف لحظة صراع جيوسياسي لإسناد مشروع تبشيري واسع يستند إلى سردية «أمة في طريقها إلى المسيحية» وإلى استعارة «حاضرة روحية» جديدة في قلب الشرق الأوسط. غير أنّ المقاربة الصحفية التحليلية تستدعي التعامل مع هذه الرؤية بوصفها أحد الخطابات المتنافسة في قراءة مستقبل إيران، إلى جانب سرديات أخرى داخلية وإقليمية ترى في أي تغيير سياسي قادم معركة حول شكل الدولة، وتوزيع السلطة، وموقع الدين في الفضاء العام، أكثر مما تراه انتقالًا جماعيًا من عقيدة دينية إلى أخرى. في هذا المعنى، يظل سؤال «إيران الحرة» مفتوحًا على احتمالات أوسع بكثير من الصورة التي يرسمها الخطاب التبشيري الذي يتخيّل أنطاكية جديدة على ضفاف الخليج.