اجتمع عدد من المسؤولين الكنسيين والقادة الروحيين من مختلف الكنائس المسيحية في دولة الإمارات العربية المتحدة في كنيسة سانت ماري الكاثوليكية في دبي، للمشاركة في صلاة وطنية مسكونية حملت محور المصالحة وترسيخ ثقافة الحوار بين الأديان، بمبادرة مرتبطة بالمسار الذي انطلق منذ توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» في أبو ظبي عام 2019 بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب، وما تلاها من دينامية مؤسساتية في مجال التلاقي بين المرجعيات الدينية. جاءت هذه الصلاة الجماعية امتدادا لمسار متدرج من التقارب بين الكنائس المقيمة في الخليج، مستفيدا من الإطار القانوني والاجتماعي الذي توفره السلطات الإماراتية للجماعات الدينية غير المسلمة، ومن حضور جاليات مسيحية واسعة متعددة اللغات والطقوس، ما يمنح هذه اللقاءات بعدا محليا ووطنيا يتجاوز الطابع الاحتفالي الرمزي.
تضمنت المناسبة فقرات صلاة وتراتيل وتأملات كتابية قادها بالتناوب ممثلون عن الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية والإنجيلية وغيرها من الكنائس التاريخية الموجودة في دبي، مع تركيز على موضوعات التعايش والصفح وإعادة بناء الثقة داخل المجتمعات المجرَّبة بالنزاعات والحروب في المنطقة، إذ تشكل الجاليات القادمة من بلدان تشهد توترات مزمنة جزءا أساسيا من الحضور المسيحي في الإمارات. وقدمت المداخلات الروحية قراءات لاهوتية تدعو إلى اعتبار المصالحة مسارا شخصيا وجماعيا في آن واحد، يطال العلاقات داخل العائلة والحي وبيئة العمل، كما يتقاطع مع حاجة أوسع إلى تهدئة الخطابات الدينية المتشنجة وإعلاء لغة الاحترام المتبادل في الفضاء العام.
المنظمون حرصوا على إبراز البعد الوطني للحدث، فالصلاة عرضت بوصفها «صلاة من أجل البلاد» بقدر ما هي لقاء كنسي داخلي، مع الدعاء للقيادة السياسية في الإمارات وللسكان المقيمين فيها، وهو ما ينسجم مع الخطاب الرسمي الذي يقدم الدولة فضاء لتلاقي الأديان واحتضان دور العبادة المتنوعة. هذا الإطار سمح للمسؤولين الكنسيين بالتأكيد على أن وجودهم في البلاد يقوم على احترام القوانين المحلية والانخراط في خدمة المجتمع عبر مبادرات اجتماعية وتعليمية وصحية موجهة لجميع المقيمين، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية، في مسعى لترسيخ صورة المسيحيين شركاء في النسيج الاجتماعي لا جماعات منغلقة على ذاتها.
يستفيد هذا النوع من اللقاءات من تراكم السنوات الأخيرة التي شهدت افتتاح «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبو ظبي، وما يحمله من دلالات حول محاولة رسم نموذج لتجاور معابد الديانات الإبراهيمية في فضاء مدني واحد، الأمر الذي يشكل خلفية رمزية لأي مبادرة مسكونية أو بين دينية في البلاد. كما أن مشاركة مسؤولي كنائس من بلدان مختلفة، آسيوية وأفريقية وعربية وغربية، تعكس الطابع العابر للحدود للمسيحية الخليجية المعاصرة، وتمنح هذه الصلوات بعدا «عالميا» مصغرا يلتقي فيه حجاج عمل وافدون وكهنة مرسلون في سياق حضري واقتصادي شديد التدويل.
وتفتح هذه الدينامية الباب أمام قراءة أوسع لدور المدن الخليجية الكبرى، مثل دبي، مختبرا لتجارب عملية في إدارة التعددية الدينية في فضاء غير ديمقراطي بالمعنى السياسي الكلاسيكي، لكنه يسمح بهوامش تعبير ديني منظمة ومراقبة. من هذا المنظور، تشكل اللقاءات المسكونية المسيحية إحدى واجهات «الدبلوماسية الناعمة» الدينية التي توظفها الكنائس للاستفادة من الانفتاح القائم، وفي الوقت ذاته لإبراز صورة مسيحية حريصة على الحوار وعدم الصدام، خصوصا في محيط إقليمي كثير التوتر.
في البعد الكنسي الداخلي، تساعد هذه الصلوات المشتركة على تقليص المسافات بين الكنائس ذات التراثات المختلفة، الكاثوليكية والشرقية والبروتستانتية، في سياق اغتراب يجعل الانتماء الديني عنصرا حاملا للهوية. إذ يجد الكثير من المؤمنين أنفسهم مندمجين في رعايا مختلطة لغويا وطقسيا، ما يدفع القيادات الكنسية إلى تطوير أشكال تعاون رعوي وتعليمي وخيري تتجاوز الحدود المذهبية، وتمنح المؤمنين انطباعا بوجود «جماعة مسيحية واحدة» ذات أوجه متعددة.
في المقابل، تطرح هذه المبادرات أسئلة لدى بعض الباحثين في الشأن الديني حول مدى قدرتها على الانتقال من مستوى الخطاب الرمزي إلى مستوى التأثير الفعلي في ملفات النزاعات والتمييز والكراهية التي يعاني منها مسيحيون ومسلمون في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها الشرق الأوسط. غير أن منظمي الصلاة في دبي يقدمونها خطوة ضمن مسار طويل، يرون أن ثمرته تكمن في بناء ثقافة يومية للتعايش داخل الجاليات، وفي تقديم نموذج عملي لعلاقة متوازنة بين السلطات السياسية والمؤسسات الدينية في بلد يستقبل ملايين المقيمين من خلفيات عقائدية متعددة.
انطلاقا من هذا الحدث، يتوقع مراقبون للشأن الديني في الخليج استمرار توظيف الفضاءات الكنسية في الإمارات منصات لنقاش قضايا الحوار بين الأديان، سواء من خلال مبادرات محلية أو فعاليات دولية تستقطب شخصيات دينية وثقافية من خارج المنطقة. ومع ترسخ صورة الإمارات في الخطاب الكنسي العالمي بوصفها إحدى محطات الحوار، يبدو أن هذه اللقاءات ستتوالى بصيغ مختلفة، ساعية إلى موازنة ضرورات الحفاظ على خصوصيات كل كنيسة مع الحاجة إلى خطاب مسيحي موحد قدر الإمكان في موضوعي المصالحة والاحترام المتبادل بين الأديان.