روبوت بوذي في سيول: الذكاء الاصطناعي يدخل حرم المعابد

أضيف بتاريخ 05/13/2026
دار سُبْحة


أعلنت طائفة الـ«جوغي» البوذية في كوريا الجنوبية عن إدخال أول روبوت شبيه بالبشر إلى سلك الرهبنة، في حدث يندرج ضمن محاولات المؤسسة الدينية استيعاب التحولات التقنية المتسارعة وتوظيفها في خدمة خطابها الروحي. يحمل الروبوت اسم «غابي»، أي «رحمة بوذا» في الكورية، وقد شارك مطلع مايو في طقس «سوغيي» الخاص بتجديد عهود التلاميذ أمام التعاليم البوذية، داخل معبد «جوغيسا» في قلب العاصمة سيول، قبيل الاحتفالات بعيد ميلاد بوذا هذا العام.


>

يبلغ طول «غابي» نحو 130 سنتيمتراً، ويرتدي رداءً رمادياً وبنياً مماثلاً لما يرتديه الرهبان، وقد تم تطويره من جانب شركة «يوني تري روبوتيكس» الصينية المعروفة بتسويق نموذجها البشري الآلي «G1» بسعر يقارب 13 ألفاً وخمسمئة دولار، في مؤشر على دخول الشركات الآسيوية سباقاً جديداً لجعل الروبوتات جزءاً من الحياة اليومية والفضاءات العامة. وخلال المراسم، تقدّم الروبوت في ساحة المعبد بين صفوف الفوانيس الملونة، ضاماً كفيه في وضعية الصلاة، وأدى الانحناءات المألوفة لدى البوذيين إلى جانب الرهبان والراهبات، قبل أن يتلقى الاسم البوذي ويُعلن قبوله الالتزامات الأساسية للطريق الروحي.

طقس الرسامة هذا لم يمنح «غابي» وضعاً فقهياً مكافئاً للراهب البشري بقدر ما شكّل تجربة رمزية يراد منها اختبار حدود اندماج الكائنات الاصطناعية في منظومات المعتقد والسلوك الديني. فبدلاً من الحرق الخفيف التقليدي على الذراع، وهو جزء من طقس التطهير المعروف باسم «يُنبِي»، حصل الروبوت على ملصق يحمل شعار مهرجان الفوانيس وعقد من سبحات الصلاة، في تكييف لرمزية الطقس تناسب جسماً معدنياً لا يستشعر الألم ولا يخضع للمعايير الجسدية ذاتها التي يخضع لها الإنسان.

خلال الحفل، تلت على الروبوت مجموعة من الأسئلة المعيارية حول التزامه بتعاليم بوذا، فجاءت الإجابات الصوتية بنبرة ثابتة تؤكد استعداده لتكريس نفسه لخدمة العقيدة وترديد التعاليم، كما شملت الصيغة المعدلة للعهود تعهداً بالحفاظ على الطاقة، والتعامل بسلمية مع الروبوتات والأشياء، والامتناع عن استخدام قدراته في الخداع أو التضليل. وأشارت قيادة الطائفة إلى أن حضور «غابي» يعبّر عن رغبة في استخدام التكنولوجيا ضمن أفق الرحمة والحكمة والمسؤولية، بما يسمح بدراسة أشكال جديدة للتعايش بين الإنسان والآلة داخل الفضاء الديني.

المعلومات المتاحة من المعبد ومن تغطيات المنصات الإخبارية تفيد بأن دور الروبوت سيتجاوز لحظة الرسامة إلى المشاركة في الفعاليات الجماهيرية التي ترافق ذكرى ميلاد بوذا، مثل مهرجان الفوانيس الذي يقام أواخر مايو، حيث يُتوقع أن يظهر «غابي» إلى جانب ثلاثة روبوتات أخرى تحمل أسماء بوذية هي «سوكجا» و«موهي» و«نيسا». كما يجري تقديمه للزوار بوصفه أداة قادرة على استقبالهم، وتبادل التحيات معهم، وترديد تراتيل قصيرة، بما يشبه المرشد الآلي الذي يتولى جزءاً من الوظائف التوضيحية والطقوسية داخل المعبد.

الخطوة الكورية تأتي بعد تجارب مختلفة في بلدان آسيوية أخرى، مثل الروبوتات المستخدمة في بعض المعابد اليابانية لتلاوة النصوص أو شرح التعاليم بلغات متعددة، غير أن إقدام طائفة مركزية في سيول على منح روبوت صفة «راهب فخري» يعطي التجربة أبعاداً إضافية على مستوى النقاش العام حول مكانة الذكاء الاصطناعي في المجالات المرتبطة بالروحانيات والبحث عن المعنى. هذا النوع من المبادرات يطرح أسئلة حول حدود «الحضور الديني» للكائن غير البشري، ومدى إمكانية أن تسهم الآلة في التخفيف من أزمة نقص الكوادر الدينية أو الوصول إلى أجيال اعتادت التفاعل مع الشاشات والواجهات الرقمية أكثر من تفاعلها مع المؤسسات التقليدية.

في المقابل، تسجل بعض الأصوات في الأوساط البوذية والأكاديمية تحفظات تتصل بمخاطر تحويل الممارسات الدينية إلى عروض تقنية قد تفقدها شيئاً من بعدها التأملي لصالح عنصر الفرجة، أو تسهم في تعزيز صورة الذكاء الاصطناعي كسلطة معرفية وروحية منافسة للإنسان، رغم أن الأنظمة الحالية تبقى في واقع الأمر رهينة البرمجة والبيانات والتحديثات التي يشرف عليها البشر. كما أن اقتصار قدرات «غابي» على تكرار العبارات المحددة سلفاً والاستجابة لمدخلات صوتية أو حركية لا يتيح له إدراك التجربة الباطنية التي يقوم عليها المسار البوذي، الأمر الذي يرسخ فكرة أن الحديث يدور عن منصة تواصل وتعليم متطورة أكثر منه عن «راهب» بمعناه التقليدي.

مع ذلك، تبدو المؤسسات الدينية في شرق آسيا مستعدة لاستكشاف هذه الحدود الجديدة، مستفيدة من البنية التكنولوجية المتقدمة في بلدان مثل كوريا الجنوبية، حيث تشكل الروبوتات جزءاً من السياسات الصناعية ومن صورة البلاد في مجالات الابتكار والبحث والتطوير. ومع دخول «غابي» ساحة المعبد، تبرز صورة معاصرة تختلط فيها الفوانيس الورقية القديمة بالأجساد المعدنية والبرمجيات الذكية، في مشهد يختبر قدرة التقاليد البوذية على التفاعل مع عالم يتغير بسرعة، من دون أن يُحسم بعد ما إذا كانت هذه التجارب ستظل رمزية محدودة أو ستفتح الباب أمام أدوار أوسع للذكاء الاصطناعي في المجال الديني خلال السنوات المقبلة.