عودة "المخطوط العظيم لسفر إشعياء" إلى الواجهة المتحفية

أضيف بتاريخ 05/15/2026
دار سُبْحة


بعد غياب استمر عقودًا داخل خزائن محصنة أسفل “مزار الكتاب” في متحف إسرائيل، عاد "المخطوط العظيم لسفر إشعياء" إلى العرض العلني في القدس، في حدث يندرج ضمن الفعاليات الخاصة بالذكرى الستين لتأسيس المتحف ويمنح الجمهور إمكانية نادرة لمشاهدة أحد أقدم وأكمل نصوص الكتاب المقدس العبري المعروفة حتى اليوم. 



هذا المخطوط، الذي يرجع تاريخه وفق الفحوص الكربونية والتحليل الخطّي إلى نحو 125 قبل الميلاد، يسبق أقدم مخطوطات سفر إشعياء الكاملة من التقليد الماسوري بحوالي ألف عام، ما جعله منذ اكتشافه نقطة مرجعية مركزية في دراسة تاريخ النص التوراتي ونقله عبر القرون.

المعرض الحالي، المعنون “صوت من الصحراء: المخطوط العظيم لإشعياء”، يتيح للمرة الأولى منذ عام 1968 رؤية المخطوط منبسطًا بطوله الكامل الذي يناهز 734 سنتيمترًا، موزعةً على سبعة عشر قطعة من الرق المخيط، تحمل أربعةً وخمسين عمودًا تضم الأسفار الستة والستين لسفر إشعياء بالترتيب المتداول في النسخة العبرية التقليدية.

عدد الزوار داخل قاعة العرض مقيّد بخمسةٍ وعشرين شخصًا في كل مرة، مع تخصيص عشر دقائق لكل مجموعة داخل القاعة المكيّفة بدقة، حيث تم ضبط مستويات الإضاءة والرطوبة والحرارة استجابة لاعتبارات حفظ المخطوط على المدى الطويل.

قصة المخطوط بدأت عام 1947 عندما عثر شاب بدوي على لفائف قديمة داخل جرار فخارية في إحدى الكهوف القريبة من خربة قمران على الضفة الشمالية الغربية للبحر الميت، في اكتشاف أدّى لاحقًا إلى استرجاع أكثر من تسعمائة نص من إحدى عشرة مغارة في تلك المنطقة، لتُعرف مجتمعة باسم مخطوطات البحر الميت.

المخطوط العظيم لوّحِظ منذ البداية بكونه النسخة الأكثر اكتمالًا بين تلك النصوص، ما دفع الباحثين إلى اعتباره “جوهرة التاج” ضمن هذا corpus الملازم لبدايات دراسة يهودية ومسيحية جديدة للمصادر النصية المشتركة. بعد سلسلة من عمليات الشراء والنقل، استقرت ملكية المخطوط لدى دولة إسرائيل في الخمسينيات، قبل أن يُخصَّص له مبنى “مزار الكتاب” في المتحف عام 1965، حيث بقي في ظروف بيئية صارمة مع عرض نسخ طبق الأصل للجمهور الواسع في القاعة العلوية.

من الناحية العلمية، منح المخطوط حقل الدراسات التوراتية فرصة نادرة لمقارنة نص سفر إشعياء كما كان متداولًا في فترة الهيكل الثاني بالنص الماسوري الذي استقر شكله في مخطوطات تعود إلى القرن العاشر الميلادي، مثل “مصحف حلب”. الدراسات النصية تشير إلى أن المخطوط العظيم يتطابق بنسبة تقارب 95 إلى 98 في المئة مع النص الماسوري المعتمد اليوم في الطبعات الحديثة للكتاب المقدس العبري، بينما تتركز الاختلافات في صيغ إملائية وتباينات نحوية طفيفة، مع غياب تغييرات لاهوتية جوهرية أو إضافات وحذف ذات مضامين عقائدية. هذه النتائج حدّت من فرضيات سابقة عن تغييرات واسعة في النص عبر القرون، ومنحت الباحثين نموذجًا ملموسًا لاستقرارٍ نسبي في نقل النصوص الدينية العبرية خلال ألف عام من التداول والنسخ.

كما أظهر التحليل الخطّي المدعوم بخوارزميات للذكاء الاصطناعي أن كتابة المخطوط تعود على الأرجح إلى كاتبين اثنين تَناوبا على نسخ الأعمدة، ما يظهر من تغيرات دقيقة في شكل الحروف وأنماط الكتابة على طول الأعمدة الأربعة والخمسين. هوامش المخطوط تحوي إشارات تصحيحية وإضافات صغيرة تعكس عملًا تحريرياً متواصلاً على النص، ما يفتح مجالًا أوسع لقراءة المخطوط كوثيقة عن ممارسة الكتابة والنَّسخ في الجماعات التي عاشت بالقرب من البحر الميت خلال القرن الأول قبل الميلاد. هذه المعطيات تغذي نقاشات متواصلة حول طبيعة المدارس النصية في تلك المنطقة وحدود علاقتها بالتيارات اليهودية الأخرى في زمن الهيكل الثاني.

أهمية سفر إشعياء لا تنحصر في مكانته في التقليد اليهودي، إذ يعد من أكثر الأسفار النبوية استشهادًا بها في العهد الجديد، ما يجعل المخطوط العظيم شاهدًا مادّيًا على طبقة نصية كانت متداولة في الفضاء الديني الذي انبثقت منه المسيحية المبكرة. هذا البعد المزدوج، اليهودي والمسيحي، أضفى على المخطوط وزنًا خاصًا بوصفه نقطة التقاء بين تقاليد إيمانية متعددة وموضوعًا بحثيًا مشتركًا لمدارس لاهوتية وتاريخية وأركيولوجية متنوعة. بالتوازي، يذكّر السياق الزمني لاكتشاف المخطوط، قبل أشهر قليلة من إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، بتقاطع مثير بين مسار الأبحاث الآثارية الحديثة في المنطقة وتطورات سياسية عميقة شهدتها المنطقة في منتصف القرن العشرين.

المعرض الحالي يحمل أيضًا بعدًا متحفيًا وتقنيًا، إذ يجمع بين بنية “مزار الكتاب” ذات الرمزية المعمارية التي تستحضر جرار قمران، والتجهيزات المتقدمة للعرض والحفظ التي تم تطويرها في العقود الأخيرة لضمان ألا يتعرض الرق لأضرار إضافية من الضوء أو تقلبات المناخ. لهذا السبب، يؤكد مسؤولو المتحف أن هذه المناسبة تُعد أشبه بفرصة “مرة في الجيل”، إذ إن الاعتبارات العلمية تقضي بأن يعود المخطوط إلى الخزائن المغلقة فور انتهاء مدة العرض التي حُدِّدت بأشهر قليلة، مع عدم توقع عرضه مجددًا قبل مرور عقود طويلة. في الأثناء، يواصل المتحف تقديم نسخة رقمية عالية الدقة للمخطوط تتيح للباحثين والجمهور على السواء دراسة تفاصيل النص عبر المنصة المخصصة لعرض مخطوطات البحر الميت.


>