يقدّم الروائي والباحث الكاميروني ديفيد وانيدام عملاً سردياً يتوغّل في منطقة معتمة من ظاهرة العنف المرتبط بجماعة «بوكو حرام»، عبر روايته «مصنع الانتحاريات» التي صدرت نسختها الفرنسية حديثاً، بعد نشرها أولاً بالإنجليزية في نيجيريا سنة 2024. ينطلق العمل من تجربة ميدانية امتدت لسنوات حول حوض بحيرة تشاد، حيث اشتغل الكاتب صحافياً ثم فاعلاً في المجال الإنساني، قبل أن يجد في الأدب وسيلة مختلفة للاقتراب من التجربة الإنسانية الكامنة خلف الأرقام.
تتابع الرواية مسار فالماتا، وهي شابة نيجيرية تتعرض للاختطاف، لتجد نفسها داخل منظومة مغلقة تعيد تشكيل وعيها تدريجياً. لا يركّز السرد على العنف المباشر بقدر ما يتتبع التحولات النفسية التي تطرأ على الشخصية، وكيف تتبدل منظومة القيم لديها تحت تأثير العزلة والتلقين وإعادة بناء الانتماء. هذا المسار لا يُعرض بوصفه حالة استثنائية، بل كجزء من آلية منظمة تستهدف فئات محددة تعاني هشاشة اجتماعية واقتصادية.
في المقابل، تحضر شخصية فيتنا، وهي جندية كاميرونية، لتفتح زاوية أخرى من التجربة النسائية في مناطق النزاع. من خلال هذا الخط السردي، تتكشف تعقيدات إضافية تتصل بوضع النساء داخل المؤسسات الأمنية، حيث تتداخل المواجهة مع الجماعات المسلحة مع تحديات داخلية مرتبطة بالبنية الاجتماعية والعلاقات المهنية. هكذا يتقاطع مساران مختلفان ظاهرياً، لكنهما يكشفان عن ضغوط متشابهة تُمارس على النساء في بيئات مضطربة.
يعتمد وانيدام في بناء عالمه الروائي على تصور يرى أن حضور النساء داخل «بوكو حرام» ليس هامشياً، بل يشكّل عنصراً أساسياً في استمرارية التنظيم. وفق هذا التصور، تُسند إلى النساء أدوار متعددة تتجاوز الوظائف التقليدية، لتشمل جمع المعلومات، وتأمين الإمدادات، وتنفيذ عمليات انتحارية. هذا التوزيع للأدوار ينبع من رؤية أيديولوجية تضع المرأة في موقع محوري داخل البنية الرمزية للتنظيم، حيث يُنظر إلى الإنجاب والاستمرار البيولوجي كضمانة لبقاء المشروع.
تُظهر الرواية أن عملية الاستقطاب لا تعتمد على عناصر غامضة أو خارقة، بل تقوم على خطوات متدرجة ومدروسة. يبدأ المسار غالباً باستهداف أفراد يعيشون حالة فقدان أو تهميش، ثم يتم فصلهم عن بيئتهم الأصلية، قبل إدماجهم في إطار جديد يمنحهم شعوراً بالانتماء والاعتراف. هذا الإحساس الجديد بالجدوى الشخصية يتحول تدريجياً إلى التزام كامل، قد يصل إلى التضحية بالحياة نفسها. يقدّم النص هذه العملية بوصفها سلسلة من التحولات الهادئة التي تتراكم دون ضجيج.
خبرة الكاتب الميدانية تضفي على العمل بعداً توثيقياً غير مباشر، حيث تتداخل التفاصيل اليومية مع المسار السردي. لا تُصوَّر مناطق النزاع كفضاءات انهيار دائم، بل كأماكن تستمر فيها الحياة بأشكالها المعتادة: أسواق، وأطفال، وأنشطة معيشية يومية. ضمن هذا الإطار، يظهر العنف كعنصر متداخل مع الحياة اليومية، وليس منفصلاً عنها، ما يمنح الرواية طابعاً واقعياً يبتعد عن الصور النمطية.
اختيار الشكل الروائي جاء نتيجة قناعة بأن الأدوات الصحافية والبحثية، رغم أهميتها، تظل محدودة في نقل التجربة الإنسانية بكل أبعادها. فالسرد الأدبي يسمح بإعادة بناء الأصوات الفردية التي تضيع في التقارير والإحصاءات، ويتيح الاقتراب من المشاعر والدوافع التي لا تظهر في التحليل الكمي. بهذا المعنى، يكمّل العمل الأدبي المقاربة المعرفية ولا ينافسها.
النسخة الفرنسية من الرواية، كما يوضح الكاتب في حوار مع مجلة «جون أفريك»، شهدت تعديلات على مستوى البناء الداخلي وتعميق الشخصيات، مع إعادة صياغة الخاتمة. هذا التطوير يعكس رغبة في توسيع دائرة التلقي، خصوصاً لدى القراء في القارة الأفريقية، حيث ما تزال هذه النزاعات تُتناول أحياناً بوصفها وقائع بعيدة عن الحياة اليومية.
من خلال هذا العمل، تتشكل صورة مركبة لدور النساء داخل الجماعات المسلحة، لا تختزل في ثنائية الضحية والفاعلة، بل تكشف شبكة معقدة من العوامل الاجتماعية والنفسية والسياسية. هذه المقاربة تفتح مجالاً لفهم أوسع للظاهرة، يتجاوز التفسيرات السطحية، ويضع الإنسان في مركز التحليل.