هل ما زال اثنين العنصرة عيداً دينياً أم أصبح أداة اجتماعية؟

أضيف بتاريخ 05/25/2026
دار سُبْحة

يمثّل الاثنين الموافق لعيد العنصرة يوماً دينياً مسيحياً في الأصل، وفي الوقت نفسه يوماً مدنياً قد يكون عطلة مدفوعة الأجر أو يوماً عادياً للعمل، تبعاً للتشريعات الوطنية واختيارات كل دولة.



يرتبط هذا اليوم بعيد العنصرة الذي يحلّ في اليوم الخمسين بعد عيد الفصح وفق التقويم الغربي، ويرمز في اللاهوت المسيحي إلى حلول الروح القدس على التلاميذ وبداية تشكّل الجماعة المسيحية في صورتها الرسوليّة، ولذلك اكتسب مكانة خاصة في الذاكرة الليتورجية.

هذا البعد الروحي تحوّل تدريجياً، في عدد من البلدان ذات الإرث المسيحي، إلى علامة زمنية داخل التقويم المدني نفسه، حيث كرّست السلطات السياسية، منذ العهود الملكية ثم في الدول الجمهورية الحديثة، هذا اليوم كعطلة رسمية تعكس حضور المرجعية المسيحية في الفضاء العام، حتى مع تزايد درجات العلمنة والتعدّد الديني.

في المقابل، توجد دول أوروبية أخرى ذات تقليد مسيحي واضح لم تعتمد هذا اليوم كعطلة وطنية، ما يوضح أن انتقال المناسبة من المجال الكنسي إلى الرزنامة الرسمية مرتبط بحسابات سياسية واجتماعية وتاريخية متغيرة، وليس بمجرد الانتماء الديني للمجتمع.

في فرنسا، على سبيل المثال، يرد الاثنين من عيد العنصرة ضمن قائمة محددة من الأيام المعترف بها رسمياً في قانون العمل كأيام أعياد، إلى جانب رأس السنة وعيد الفصح وعيد العمال وغيرها، لكنه لا يُعامل تلقائياً كيوم عطلة مُلزِم لجميع الأجراء.

فباستثناء الأول من مايو، الذي يتمتع بوضع خاص كعيد عمل وعطلة مُحَمية قانوناً، تظلّ بقية الأيام الدينية والوطنية، ومنها الاثنين من عيد العنصرة، خاضعة لاتفاقات جماعية أو قرارات داخلية تتخذها المؤسسات وأرباب العمل، وهو ما ينتج عنه تفاوت ملحوظ بين القطاعات والجهات وحتى بين الشركات داخل القطاع نفسه.

بعد موجة الحر القاسية في صيف 2003 وما أثارته من نقاشات حول أوضاع كبار السن والأشخاص في وضعية هشّة، أعادت السلطات الفرنسية توظيف هذا اليوم في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة كأداة سياسية اجتماعية، عبر ما عُرف بـ«يوم التضامن»، الذي يقوم على مبدأ تخصيص يوم عمل إضافي – ظهر في البداية على شكل عمل في الاثنين من عيد العنصرة – للمساهمة في تمويل سياسات الرعاية والتضامن من خلال مساهمة مالية موازية.

ومع مرور الوقت، اتّسع هامش الخيارات ليُسمح للشركات والجماعات باختيار يوم آخر أو آلية مختلفة لتجسيد هذا «اليوم التضامني»، ما جعل وضع الاثنين من عيد العنصرة عملياً موضع تفاوض مستمر بين الفاعلين الاجتماعيين.

هذا التطوّر يجعل من الاثنين المتصل بعيد العنصرة نموذجاً كاشفاً عن الكيفية التي تنتقل بها الأعياد ذات الجذور الدينية من كونها محطات روحية خالصة إلى أن تصبح موضوعاً للنقاش السياسي والاجتماعي، مرتبطاً بتنظيم الزمن العمومي، وسيرورة العمل، والخيارات المتعلقة بالدولة الاجتماعية.

فاليوم الواحد قد يظهر في التقويم الرسمي كـ«يوم عيد»، لكنه على مستوى الممارسة اليومية يتخذ صوراً متباينة: عطلة كاملة في بعض الإدارات والمؤسسات، يوم عمل مع تعويض خاص في أخرى، أو يوم عمل عادي بالنسبة لفئات معينة، وهو ما يمنح اليوم صفة «هجينة» تجمع بين قداسة رمزية موروثة من المجال الديني ووظائف اجتماعية واقتصادية مستجدة.

ومن زاوية مقارنة أوسع، يمكن ملاحظة حضور هذا اليوم كعطلة في عدد من البلدان الأفريقية ذات الأغلبية غير المسيحية، خصوصاً في الفضاء الفرنكوفوني، حيث يعكس استمرار عطلة الاثنين من عيد العنصرة تداخلاً بين تاريخ التبشير والاستعمار من جهة، وتبنّي الدول بعد الاستقلال لأجزاء من التقويم الموروث وإعادة تدويرها داخل هوية وطنية جديدة من جهة أخرى.