يقدّم مشروع «إعادة سرد الحكايات المقدسة: رحلتنا نحو حكاية مقدسة مشتركة» الذي أطلقه «معهد فيتزر» تجربة بحثية وروحية ممتدة على خمس سنوات، جرى خلالها جمع باحثين وقادة دينيين من تسعة تقاليد دينية عالمية ليتأملوا في سؤال واحد: ماذا يحدث عندما يصغي أهل الديانات المختلفة إلى القصص التأسيسية لبعضهم البعض ويعيدون روايتها ضمن أفق إنساني مشترك؟ يخرج هذا الجهد في صيغة كتاب ضخم صادر عن دار «أوربس بوكس» يضم مساهمات من فرق متخصصة تمثل البوذية والمسيحية والكونفوشيوسية والهندوسية والتقاليد الأصلية والإسلام واليهودية والسيخية وتيارات روحية عابرة للأديان، مع محاولة بناء سردية جامعة تقترح تصوراً جديداً لعلاقة البشر بالمقدّس وبالعالم المعاصر المترابط.
المبادرة التي تندرج ضمن توجه أوسع لدى «معهد فيتزر» لبناء «أساس روحي لعالم تسوده المحبة» تقوم على فكرة أن الحكايات الدينية المركزية لا تنتمي إلى الماضي فقط، بل تملك قدرة دائمة على إعادة تشكيل المخيلة الأخلاقية والروحية للأفراد والجماعات عندما تُروى من جديد بلغة تستجيب لهموم عصر يتسم بأزمات مناخية واضطرابات سياسية واقتصادية وتصدعات اجتماعية. لذلك طُلب من الفرق المشاركة أن تعيد صياغة الروايات الكبرى في تقاليدها لا بوصفها نصوصاً مغلقة، بل كدعوات مفتوحة للقارئ، مهما كان انتماؤه العقدي، كي «يتذوّق» كيفية ظهور المقدّس في تفاصيل الحياة اليومية وما يمكن أن ينتج عن ذلك من إمكانات للتضامن ورعاية الأرض والمخلوقات.
اعتمد المشروع منهج «سرد القصص بوصفه حواراً بين الأديان»، حيث جرى التعامل مع الحكاية الدينية باعتبارها مفتاحاً لفهم العالم الداخلي للجماعات، أكثر من كونها موضوعاً لجدل لاهوتي أو سجال عقائدي.شارك في هذه العملية أكثر من 150 باحثاً وممارساً روحياً، عملوا في فرق متوازية داخل كل تقليد ديني، ثم التقوا لاحقاً في حلقات مشتركة لصياغة ما يصفه المعهد بـ«الحكاية المقدسة المشتركة» التي لا تلغي خصوصيات الأديان بل تحاول اكتشاف مساحة سردية يمكن أن يتعرف فيها الناس إلى بعضهم البعض من خلال الخبرة الروحية والمعنى الأخلاقي الذي تمنحه القصص لتجاربهم.
الكتاب الذي يمتد على مئات الصفحات يضم تسع حكايات كبرى تمثّل القراءة الراهنة للتقاليد المشاركة، إضافة إلى نص مركّب جديد يحاول التقاط الخبرة المعاصرة للعيش في عالم مهدد بأزمة مناخية وتوترات سياسية واقتصادية وتشرذم اجتماعي، ويقترح في المقابل صورة إنسانية جامعة تستند إلى ينابيع الأمل والارتباط في قلب تلك الأوضاع. هذا النص المشترك يسعى إلى أن يكون قابلاً للقراءة من داخل كل تقليد، بحيث يجد القارئ فيه صدى لعناصر من تراثه الروحي، وفي الوقت نفسه يختبر قرباً غير متوقع من تجارب الآخرين عبر القيم المشتركة المرتبطة بالعناية بالإنسان والأرض والبحث عن العدالة والرحمة.
في تقديمه للمشروع، يشير نائب رئيس «معهد فيتزر» لشؤون الأديان والروحانيات، وليام فاندلي، إلى أن هذا العمل يمثل إحدى أكثر المبادرات طموحاً في مجال التعاون بين الأديان خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث عدد المشاركين أو عمق الانخراط في إعادة تأويل النصوص المؤسسة بما يسمح لها بمخاطبة أجيال جديدة تعيش في عالم شديد الترابط على المستويين الرقمي والاقتصادي. ويُطرح الكتاب بوصفه دعوة إلى القراءة التأملية التي لا تكتفي بالتعرّف إلى عقائد الآخرين وطقوسهم، بل تجعل من الإصغاء إلى قصصهم التأسيسية مدخلاً إلى نمط جديد من العيش المشترك قائم على التعاطف وفهم دوافع الإيمان من الداخل..
إلى جانب الكتاب، يندرج هذا العمل ضمن مشروع أشمل أطلقه المعهد تحت اسم «التعاون من أجل رؤية مقدسة مشتركة»، يهدف إلى بناء شبكة عالمية تجمع قادة دينيين وروحيين وفاعلين في مجالات متعددة لصياغة رؤى مشتركة حول دور القيم الروحية في توجيه المؤسسات نحو خيارات أكثر إنسانية وشمولاً. هذا التوجه يتجلى في تركيز المبادرة على مفاهيم مثل «السرد الجماعي» و«الغاية المقدسة المشتركة»، حيث تبدو الحكايات أداة عملية لإعادة ربط الأبعاد الروحية بالخيارات العامة في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والبيئة.
ويرتبط إطلاق الكتاب بسلسلة من الأنشطة المصاحبة، من بينها فعاليات عامة في المملكة المتحدة موجهة للجمهور الواسع، إضافة إلى مبادرات إعلامية على المنصات الرقمية للتعريف بالمشروع ومناقشة موضوعات مثل التوارث الروحي بين الأجيال وتجارب الإخلاص الديني في سياقات متعددة. كما جرى تقديم المشروع عبر مواد مرئية ومسموعة، من بينها تسجيلات على «يوتيوب» وبرامج حوارية، إلى جانب حملات ترويجية نظمتها دار «أوربس بوكس» ومؤسسات أكاديمية ودينية شاركت في العمل، بما في ذلك جامعات ركّزت على البعد التعليمي للسرديات المقدسة كأداة لتدريس الحوار بين الأديان.
هذا التوسع في الفضاء العام الرقمي يمنح المشروع بعداً إضافياً يتجاوز النشر الورقي، إذ تتحول الحكايات إلى مادة مفتوحة للتفاعل في المجتمعات المحلية وداخل شبكات المهتمين بالدين والروحانيات والبيئة والعدالة الاجتماعية، مع رهان واضح على أن إعادة الاتصال بالموروث الديني عبر السرد يمكن أن تساهم في تخفيف حدة السرديات القاتمة السائدة في الخطاب العام، وإتاحة بدائل تقوم على الأمل والكرامة الإنسانية والقدرة على الفعل المشترك. في المقابل، يحتفظ كل تقليد ديني بمساحته الخاصة في إعادة صياغة رواياته من الداخل، بحيث لا يظهر المشروع كمنصة لتوحيد العقائد، بل كحقل تجريبي لاختبار إمكان قيام حكاية إنسانية واسعة تستمد قوتها من التنوع نفسه.
يُتاح الكتاب للقراء عبر دار «أوربس بوكس» ومن خلال منصات بيع الكتب الكبرى، فيما يواصل «معهد فيتزر» تقديمه بوصفه دعوة مفتوحة للمشاركة في حوار طويل الأمد حول معنى أن يكون العالم المعاصر «عالماً مقدساً» من جديد، من خلال تجميع الجهود البحثية والروحية وبناء تحالفات عابرة للحدود بين الأديان والقطاعات والجهات الجغرافية. بالنسبة للمهتمين بدراسة الدين أو العمل في الحقول المتصلة بالحوار بين الأديان، يوفر هذا العمل نموذجاً لكيفية انتقال التعاون من مستوى المؤتمرات النظرية إلى بناء نصوص سردية مشتركة يمكن أن يتلقاها جمهور واسع، وأن تتحول لاحقاً إلى مادة للتعليم والإعلام والعمل المجتمعي.