في حوار مرجعي مع موقع Mediapart الفرنسي، ضمن سلسلة "إعادة التفكير في الإسلام"، تشرح الباحثة جاكلين شابي، أستاذة فخرية في الجامعات الفرنسية وأجريت إجازة في اللغة العربية، منهجها في قراءة القرآن أنثروبولوجيًا، انطلاقًا من كتابها "الأعمدة الثلاثة للإسلام: قراءة أنثروبولوجية للقرآن".
لماذا قراءة أنثروبولوجية؟
تستهل شابي الحوار بالتذكير بأن القرآن ليس كتابًا يحكي قصة متسلسلة، بل هو بمثابة "أحجية" (puzzle) من عناصر موضوعاتية متفرقة، تحتاج إلى منهج قراءة واضح. وبينما ركّز المستشرقون في القرنين التاسع عشر والعشرين على البحث عن "أصول" القرآن في النصوص التوراتية والإنجيلية، ترى شابي أن هناك مسارًا أُهمل تمامًا: مسار المجتمع الذي وُلد فيه القرآن. فالأنثروبولوجيا تبحث في طبيعة هذا المجتمع البشري وفي كيفية ارتباط الخطاب القرآني بوظائف هذا المجتمع وحاجاته.
تشدد الباحثة على أن منهجها لا يمسّ العقيدة الدينية في شيء، لأنها تتحدث من موقع التاريخ لا من موقع المؤمن أو اللاهوتي. وتوضح أن الخطر الأكبر في قراءة نص مثل القرآن هو الخلط بين مراحله الزمنية المختلفة: فالإسلام انتقل في أقل من قرنين من مجتمع قبلي صغير في الحجاز إلى مجتمع إمبراطوري ناتج عن فتوحات كانت في الأصل فتوحات قبلية، وهو ما يجعله، من منظورها، "حقل ملاحظة مثاليًا" لتتبّع تحوّل الخطاب الديني، بخلاف النصوص التوراتية التي تمتد عبر أكثر من ألف عام.
القرآن شاهدًا على مجتمع حي: السخرية والمشاحنات
تلفت شابي إلى أن النص القرآني نفسه يتضمن إشارات إلى إهانات وُجّهت إلى محمد من معاصريه، يرد عليها النص مباشرة. فمن الفترة المكية، يذكر أحد خصومه بأنه "مقطوع" (بلا أبناء ذكور يدعمونه سياسيًا)، وهي إهانة من إهانات المجتمع الرعوي المعروف بقسوة عباراته. ومن الفترة المدينية، حين بدأ نجمه السياسي يصعد، يتوعّده خصم له إثر نزاع على بئر بأن "يُخرجه" من المدينة بصفته "الرجل القوي" في مواجهة "رجل لا شيء"، فيرد عليه القرآن بأن "العزة لله" لا لمن يتوهم القوة. وتعتبر شابي أن هذه المقاطع تكشف عن مجتمع حيوي يسخر فيه الناس من محمد ويتبادلون معه الكلام، وهو ما تصفه بـ"إعادة الإنسانية" إلى هذا النص.
رب البيت وحارس نقطة الماء: لاهوت مكة قبل الإسلام
تشدد جاكلين شابي على أن مكة لم تكن، خلافًا لصورة شائعة، واحة زراعية، بل كانت تعيش حصرًا على نقطة ماء واحدة، وأن "رب هذا البيت" المذكور في السورة 106 يشير تحديدًا إلى إله هذه النقطة المائية، وهو إله ذكوري. وإلى جانبه كانت قبيلة قريش تدين بولاءات إلهية أخرى، أنثوية هذه المرة، تحمي مسارات التموين البعيدة التي كان يتعين على القرشيين قطعها، نحو 70 كلم في اتجاه الطائف أو جدة، نظرًا لغياب أي نشاط فلاحي محلي. دعوة محمد الأولى كانت دعوة صريحة إلى الاقتصار على عبادة "رب هذا البيت" ورفض هذه الآلهة الخارجية، فقابلتها قبيلته بالسخرية والرفض، باعتباره يتيمًا من عائلة محدودة النفوذ لا تتمتع بثقل سياسي يخوّله فرض رؤيته الدينية.
الغزوات والجهاد: فعل تطوّعي لا إكراه فيه
تعود الباحثة إلى جذر كلمة "جهاد" نفسها، مستشهدة بآيتين قرآنيتين من الفترة المكية، أي السابقة على دخول محمد في العمل السياسي، يُذكر فيهما أن "الأب والأم يجاهدان" ابنهما لإقناعه بالشرك، أي يبذلان كل جهدهما لإقناعه فكريًا لا عسكريًا. وتوضح أنه لاحقًا، حين انتقل محمد إلى المدينة بعد نبذه من قبيلته، وسعى إلى استمالتها سياسيًا، استُخدمت آليات "الفعل" المتاحة في ذلك المجتمع القبلي ذاته، حيث كانت المشاركة في أي عمل قتالي، كالغزو القبلي التقليدي الذي لم يخترعه الإسلام، تطوّعية بالكامل، ولم يكن أحد يُلزَم بها، بل كان المتطوعون وللناس مطلق الحرية في الاستجابة أو الرفض. وتشير إلى وجود آيات قرآنية في المرحلة المدنية الأخيرة تُظهر بعض كبار الصحابة يرفضون المشاركة في حملة بعيدة بحجة شدة الحر والمسافة، وهي مقاطع تُهمَل عادة لأنها لا تتناسب مع الصورة النمطية السائدة.
شتائم الخصوم ومرافعة القرآن: حين كان محمد إنسانًا قبل أن يكون نبيًا مقدّسًا
في معرض ردّها على غضب بعض المسلمين اليوم من الرسوم الكاريكاتورية للنبي، تلفت جاكلين شابي إلى أن هذا الغضب نفسه ناتج عن عملية تقديس مفرطة جعلت من محمد كائنًا فوق-إنساني منزّهًا عن النقد، في حين أن القرآن نفسه يتضمن صدى مباشرًا لشتائم وُجّهت إلى محمد من خصومه، ثم ردّ عليها. فمن الفترة المكية، يذكر أحد خصومه أنه "أبتر"، أي بلا أبناء ذكور يخلفونه، وهي إهانة بالغة الحدّة في مجتمع رعوي تقاس فيه قيمة الرجل بقدرته على ضمان امتداده عبر أبنائه. ومن الفترة المدنية، حين بدأ نجمه السياسي يصعد، يتوعّده خصم له إثر نزاع على بئر بأن "يُخرجه" من المدينة بصفته "الرجل القوي" في مواجهة "رجل لا شيء"، فيرد عليه القرآن بأن "العزة لله" لا لمن يتوهم القوة. وتعتبر الباحثة أن هذه المقاطع تكشف عن مجتمع حيّ يسخر فيه الناس من محمد ويتبادلون معه الكلام، وهو ما تصفه بـ"إعادة الإنسانية" إلى هذا النص.
من الوظائف الاجتماعية الثلاث إلى عنوان الكتاب
توضح الباحثة أن منهجها في الكتاب لم ينطلق أصلًا من الأركان الخمسة الكلاسيكية للإسلام، بل من ثلاث وظائف اجتماعية كانت تقوم عليها بنية المجتمع القَبَلي الأصلي، وحوّلتها قراءتها الأنثروبولوجية إلى "أعمدة ثلاثة". الوظيفة الأولى هي التحالف، أي تحالف الأفراد فيما بينهم على التضامن، وتحالف مماثل مع إله يُنظر إليه كحَكَم متضامن مع جماعته. والوظيفة الثانية هي "الهداية" أو الطريق الصحيح، إذ إن التنقل في صحراء قاحلة لا يحتمل أكثر من طريق واحد صحيح يقود إلى نقاط الماء، خلافًا للمثل القائل بأن "كل الطرق تؤدي إلى روما". أما الوظيفة الثالثة فهي العطاء والتضامن في اقتصاد كفاف لا يحتمل ترك أحد يموت إلى جانب الجماعة. ومن هذه الوظائف الثلاث، وليس من الأركان الخمسة اللاحقة، صاغت شابي عنوان كتابها "الأعمدة الثلاثة للإسلام: قراءة أنثروبولوجية للقرآن"، الذي تقول إنه لم يُدرَج بعد ضمن المناهج الدراسية الموجَّهة للتلاميذ والطلاب في فرنسا.
الجهاد التطوّعي: لا إكراه في القتال القَبَلي
تشير شابي إلى أن جذر الكلمة العربية الدالة على "القتال"، في لغة القرآن القبلية، مرتبط بمادة تحيل إلى "القتل"، وهو ما قد يوحي ظاهريًا بأن القتال غايته القتل، بينما الحقيقة معاكسة تمامًا: فصيغة الكلمة نفسها تذكّر المقاتل بأنه معرّض لخطر أن يُقتَل أو أن يقتل دون احتراز، لأن القتل غير المحسوب في المجتمع القبلي يستوجب تطبيق قانون "القصاص" أي ما يعادل "الثأر"، وإذا اندلع الثأر بين قبيلتين فقد لا يمكن وقفه، وقد تتعرض الجماعتان كلتاهما لخطر الفناء. وتوضح شابي أن المجتمعات القبلية، التي لم تكن تؤمن بفكرة الآخرة (الجنة والنار)، كانت تعي تمامًا أن فقدان رجل واحد من القبيلة، التي قد لا تتجاوز بضع مئات من الأفراد، يمثل خسارة جسيمة، ما يجعل القتال في جوهره مقيَّدًا ومحسوبًا، لا فعلًا عبثيًا للقتل.
وتضيف شابي أن المشاركة في عمليات "الغزو" -وهي ممارسة قبلية سابقة على الإسلام ولم يخترعها- لم تكن قط إلزامية، بل كانت تقوم على نظام تطوّعي صرف: يُرسَل "منادٍ" يدعو الناس للمشاركة، ولكل فرد الحرية الكاملة في القبول أو الرفض دون أي ضغط قسري. وتستشهد بمقاطع من أواخر الفترة المدينية، حين قرر محمد إطلاق حملة بعيدة، حيث اعتذر بعض كبار صحابته القدامى بحجة بُعد المسافة وشدة الحر. من هنا تخلص شابي إلى أن الجهاديين المعاصرين الذين يفجّرون أنفسهم باسم "الإسلام الأول" يقعون في تناقض جوهري مع المنطق القرآني نفسه: فقرار الفرد بقتل نفسه بنفسه كان أمرًا غير متصوَّر في مجتمع لم يكن يؤمن بالآخرة أصلًا، ولا وجود في القرآن لأي وعد بـ"حور العين" للمقاتلين تحديدًا، بل إن هذا العنصر، كما سبق أن أوضحت شابي، هو من ابتكارات التراث الإسلامي اللاحق ولا علاقة له بآيات القتال.